عبد السلام احمد الراغب

30

وظيفة الصورة الفنية في القرآن الكريم

وَعِنْدَهُمْ قاصِراتُ الطَّرْفِ عِينٌ كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ الصافات : 48 - 49 ، وهذا التشبيه - عنده - من قبيل تشبيه صورة حسية بصورة حسية ، وهناك أيضا تشبيه معنى بصورة كقوله تعالى : وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمالُهُمْ كَسَرابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ ماءً حَتَّى إِذا جاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاً النور : 39 . وهذا عنده من أجود أنواع التشبيه ، لأنه يعبر عن المعاني الذهنية بالصور المرئية المشاهدة « 45 » . ويرى حازم القرطاجني ( ت 684 ه ) أن الصورة الفنية هي استعادة لمدرك حسي بعد غيابه . فالمعاني تدرك من العالم المحسوس ، وتكوّن لها صورا ذهنية ، ثم تأتي الصورة الفنية ، فتستشير هذه الصور الذهنية ، بعد غياب المدرك الحسي عنها . يقول حازم : « إن المعاني هي الصور الحاصلة في الأذهان عن الأشياء الموجودة في الأعيان ، فكل شيء له وجود خارج الذهن ، فإنه إذا أدرك ، حصلت له صورة في الذهن تطابق ما أدركه منه ، فإذا عبر عن تلك الصورة الذهنية الحاصلة عن الإدراك ، أقام اللفظ المعبر به هيئة تلك الصور الذهنية في أفهام السامعين وأذهانهم » « 46 » . ولكنّ مفهوم الصورة أخذ يضيق ويتحجّر على يد البلاغيين المتأخرين مثل السكاكي ، والخطيب القزويني وشرّاح التلخيص ، فأطلقوا مصطلح الصورة على بعض التشبيهات والاستعارات المركبة . يقول الخطيب القزويني : « وأما المجاز المركب فهو اللفظ المركب المستعمل فيما شبه بمعناه الأصلي تشبيه التمثيل للمبالغة في التشبيه ، أي تشبيه إحدى صورتين منتزعتين من أمرين أو أمور أخرى . . . » . وعلّق القزويني على « أراك تقدم رجلا وتؤخر أخرى » بقوله : « شبه صورة تردده في المبايعة بصورة تردد من قام ليذهب في أمر ، فتارة يريد الذهاب ، فيقدم رجلا ، وتارة لا يريد ، فيؤخر أخرى » « 47 » . وهكذا انتهى مفهوم الصورة عند المتأخرين من البلاغيين إلى نوع من المجازات المركبة ،

--> ( 45 ) المثل السائر : ابن الأثير ص 127 . ( 46 ) منهاج البلغاء وسراج الأدباء : حازم القرطاجني . ص 18 - 19 . ( 47 ) الإيضاح في علوم البلاغة : الخطيب القزويني . ص 312 .