عبد السلام احمد الراغب

25

وظيفة الصورة الفنية في القرآن الكريم

سبيل الكلام سبيل التصوير والصياغة ، وأن سبيل المعنى الذي يعبر عنه سبيل الشيء الذي يقع التصوير ، والصوغ فيه ، كالفضة والذهب يصاغ منهما خاتم أو سوار . فكما أن محالا إذا أردت النظر في صوغ الخاتم ، وفي جودة العمل ورداءته أن تنظر إلى الفضة الحاملة لتلك الصورة أو الذهب الذي وقع فيه ذلك العمل وتلك الصنعة ، كذلك محال إذا أردت أن تعرف مكان الفضل والمزية في الكلام أن تنظر في مجرد معناه » « 25 » . ويتضح من عبارته هذه أن الصياغة - عنده - تعني الصورة ، والصورة تعني الصياغة أو النظم ، ومعيار الجودة ليس في المادة المكونة للصورة ، وإنما في التشكيل الفني للصورة ، لأن الصورة هي التي تجعل الفضة خاتما أو سوارا « 26 » . ويلاحظ أن الجرجاني ما زال يقيس الصورة في الكلام على الصورة في المواد المحسوسة ، ولكنه يزيل اللبس الذي لحق بأقوال سابقيه حول الفصل بين اللفظ والمعنى ، أو المادة والصورة ، ويرى أن العلاقة بين الصورة ومادتها علاقة تفاعل وانصهار لتوليد المعنى المراد ، فليس هناك ثنائية منفصلة بين اللفظ والمعنى وإنما هناك التفاعل لتوليد عنصر جديد ثالث هو « الصورة » . فنحن - كما يرى الجرجاني - لا ننظر في صوغ الخاتم إلى مادته الذهبية أو الفضية المصنوع منها ، وإنما ننظر إلى جودة صياغته . وقياسا على ذلك فإن جودة الكلام لا ترجع إلى معناه ، بل ترجع إلى بلاغة نظمه ، وجودة صياغته . ويوضّح الجرجاني طبيعة الصورة فهي « تمثيل وقياس » وهي أيضا إبراز للمعنويات في صور المرئيات يقول : « واعلم أن قولنا صورة إنما هو تمثيل وقياس لما نعلمه بعقولنا على الذي نراه بأبصارنا » « 27 » . ويشعر الجرجاني بالخطوة الجديدة التي يضيفها إلى مفهوم الصورة ودور العقل في تشكيلها ، فيلفت الانتباه إلى أن مصطلح الصورة قديم ، أشار إليه الجاحظ من قبل . يقول الجرجاني : « وليس العبارة عن ذلك بالصورة شيئا نحن ابتدأناه فينكره منكر بل هو مستعمل

--> ( 25 ) دلائل الإعجاز : عبد القاهر الجرجاني . ص 254 - 255 . ( 26 ) الصورة البلاغية عند عبد القاهر الجرجاني : الدكتور أحمد علي دهمان ج 1 ص 389 - 390 . ( 27 ) دلائل الإعجاز : ص 508 .