عبد السلام احمد الراغب

23

وظيفة الصورة الفنية في القرآن الكريم

فيه بهذه الوجوه التي ذكرها ، بحيث يمكن اعتبارها مجتمعة سمات « الصورة القرآنية » « 18 » . ولكن على الرغم من هذه الآراء القيمة ، حول الصورة القرآنية ، فإنها تظل تدور في إطارها الحسي والجزئي ، لا تتعدى الآية القرآنية الواحدة المتضمنة للصورة ، مكتفيا الرماني بالإشارة إلى جمال الاستعارة أو التشبيه دون أن يربط الصورة بالسياق الواردة فيه ، أو يتجاوز الصورة البلاغية في الجملة إلى الصورة في السياق . كما أنه ظلّ يركّز على « الشكل » من خلال إلحاحه على « الصورة البصرية » في نماذجه التي وقف عندها . ويحيل كلّ أنواع الصور القرآنية إليها ، علما بأن الصورة في القرآن أعمّ من ذلك وأشمل ، فهي تربط بين المحسوس وغير المحسوس أو بين الصورة الحسية والمعنوية ، فلا يمكن الفصل في الصورة القرآنية بين الحسي والمعنوي أو بين الصورة المفردة والسياق ، أو بين الصورة والمعنى الديني . والإعجاز القرآني لا يرجع إلى هذه الصورة البلاغية الجزئية مفصولة عن سياقها فقط ، وإنما يكمن الإعجاز التصويري في تشابك العلاقات بين الصورة الجزئية والكلية ، ضمن بناء الصورة العام ، كما سأوضح ذلك في الفصول القادمة ، إن شاء الله . وقد أثّر الرماني في أبي هلال العسكري ( ت 395 ه ) تأثيرا كبيرا ، فنرى العسكري يأخذ فكرة الرماني أخذا حرفيا ، ويتوقف عند الشواهد القرآنية نفسها تقريبا « 19 » ، ولكنه يلحّ على « الصورة البصرية » أكثر من الرماني ، ويرجع جمال الاستعارات في القرآن إلى إخراجها « ما لا يرى إلى ما يرى » « 20 » . ففي قوله تعالى : فَنَبَذُوهُ وَراءَ ظُهُورِهِمْ آل عمران : 187 ، يقول : « حقيقته غفلوا عنه والاستعارة أبلغ لأن فيه إخراج ما لا يرى إلى ما يرى » « 21 » ، وقوله تعالى : وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلى عُنُقِكَ الإسراء : 29 ، يقول : « حقيقته لا تكونن ممسكا ، والاستعارة أبلغ ، لأن الغلّ مشاهد ، والإمساك غير مشاهد ، فصوّر له قبح صورة المغلول ليستدل به على قبح الإمساك » « 22 » ،

--> ( 18 ) الصورة بين القدماء والمعاصرين : ص 20 . ( 19 ) كتاب الصناعتين : لأبي هلال العسكري . ص 262 - 264 . ( 20 ) المصدر السابق : ص 299 . ( 21 ) المصدر السابق : ص 302 . ( 22 ) المصدر السابق : ص 303 .