الشيخ محمد مكي نصر الجريسي
55
نهاية القول المفيد في علم تجويد القرآن
الصوت الزائد كونه قويّا جهريّا بسبب أنه حاصل بفك المخرج دفعة بعد لصقه لصقا محكما ، ولذا خصّوا القلقلة بحروف اجتمعت فيها الشدة والجهر ؛ فالشدة تحصر صوت الحرف لشدة ضغطه في المخرج ، والجهر يمنع جري النفس عند انفتاح المخرج ، فيلتصق المخرج التصاقا محكما ، فيقوى الصوت الحادث عند انفتاح المخرج دفعة . وهي حروف خمسة يجمعها قولك : ( قطب جد ) : القاف ، والطاء المهملة ، والباء الموحدة ، والجيم ، والدال المهملة . وإنما سميت بذلك لأن صوتها لا يكاد يتبين به سكونها ما لم تخرج إلى شبه المتحرك لشدة أمرها من قولهم قلقله إذا حركه ، وإنما حصل لها ذلك لاتفاق كونها شديدة مجهورة ، فالجهر يمنع النفس أن يجري معها ، والشدّة تمنع أن يجري صوتها . فلما اجتمع لها هذان الوصفان احتاجت إلى التكلف في بيانها ، فلذلك يحصل ما يحصل من الضغط للمتكلم عند النطق بها ساكنة حتى تكاد تخرج إلى شبه تحريكها لقصد بيانها ؛ إذ لولا ذلك لما تبيّنت ؛ لأنه إذا امتنع النفس والصوت تعذّر بيانها ما لم يتكلّف بإظهار أمرها على الوجه المذكور ، ولا فرق في هذه الأحرف بين أن تكون متطرفة ووقف عليها ؛ كقاف خَلاقٍ [ البقرة : الآية 102 ] ، وطاء مُحِيطٌ [ آل عمران : الآية 120 ، وغيرها ] ، وباء قَرِيبٌ [ البقرة : الآية 186 ، وغيرها ] ، وجيم بَهِيجٍ [ الحج : الآية 5 ، وغيرها ] ، ودال مَجِيدٌ [ هود : الآية 73 ، وغيرها ] ، أو متوسطة ساكنة : كقاف خَلَقْنا [ الأعراف : الآية 181 ، وغيرها ] ، وطاء قِطْمِيرٍ [ فاطر : الآية 13 ] ، و أَطْواراً [ نوح : الآية 14 ] ، وباء رَبْوَةٍ [ المؤمنون : الآية 50 ] ، وجيم اجْتَباهُ [ النحل : الآية 121 ، وغيرها ] ، ودال يَدْخُلُونَ [ النساء : الآية 124 ، وغيرها ] . [ اه . مرعشي وابن غازي ] . وقال في تبصرة المريد : وتنقسم القلقلة إلى ثلاثة أقسام : أعلى وهو في الطاء ، وأوسط وهو في الجيم ، وأدنى وهو في الثلاثة الباقية . وقال الشيخ حجازي في شرحه : وتجب المبالغة في القلقلة حتى يسمع غيرك نبرة قوية عالية بحيث تشبه الحركة ؛ أي حركة ما قبله ، وتتبع الحرف بعد سكونه كما هو كلام الشيخ حفظه اللّه نقلا عن الكتب المعتبرة ، فلا تتأتى القلقلة إلا بالجهر البالغ ؛ فمن اكتفى بإسماع نفسه لم يتّبع تعريف الجهر نفسه ؛ لأن أدنى الجهر إسماع غيره لا إسماع نفسه ؛ فمن أسمع القلقلة نفسه فقط لا يقال إنه أتى بالقلقلة وإنما يقال إنه ترك القلقلة ، فهو لحن ، ولا يحصل التشديد بالمبالغة فيها لأن التشديد يورث إلباث الحرف مقدار الحرفين ، والقلقلة هي التحريك لا الإلباث . واللّه أعلم . اه . وقال المرعشي : وينبغي أن يبالغ في إظهار القلقلة عند سكون الوقف كما أشار إليه ابن الجزري في نظمه بقوله : وبيّنن مقلقلا إن سكنا * وإن يكن في الوقف كان أبينا