الشيخ محمد مكي نصر الجريسي

46

نهاية القول المفيد في علم تجويد القرآن

بعض الحروف المتحدة في المخرج عن بعض ؛ فهي لفظ يدل على معنّى في موصوفه ؛ إما باعتبار محله أو باعتبار ذاته ؛ فالأول كالجوفية والحلقية واللهوية إلى آخر ما تقدم في التتمة ، والثاني كالجهر والهمس وأمثالهما من كل صفة لازمة للحرف في جميع أحواله ، أي سواء كان ساكنا أو محرّكا بأي حركة . ثم إن العلماء رحمهم اللّه تعالى اختلفوا في عدد الصفات ؛ فمنهم من عدّها سبع عشرة صفة وهو الإمام ابن الجوزي رحمه اللّه تعالى ، وتابعه على ذلك شرّاح مقدمته وغيرهم . ومنهم من زاد على ذلك وهو صاحب الرعاية فإنه أوصلها إلى أربع وأربعين صفة . ومنهم من نقص عن السبع عشرة كالبركوي فإنه عدّها في كتابه الدر اليتيم أربع عشرة بنقص الذلاقة وضدها وهو الإصمات ، والانحراف واللين ، وزيادة صفة الغنة . وكشارح نونية الإمام السخاوي فإنه عدّها ست عشرة صفة بنقص الذلاقة وضدّها أيضا ، وزيادة صفة الهوائي أي الحرف الهوائي وهو الألف . وكالمرعشي ؛ فإنه ذكر في رسالته سبع عشرة صفة إلا أنه نقص الذلاقة وضدّها الانحراف واللين ، وزاد أربع صفات : الغنة ، والخفاء ، والتفخيم ، والترقيق ، وفيه أن التفخيم والترقيق من الصفات العارضة ، والمقام مقام عدّ الصفات اللازمة . فتأمل . ولما كان خير الأمور أوسطها اخترت أن أذكر في هذه الحالة ما هو الأوسط من هذه الأقوال الثلاثة ، وهو قول ابن الجزري بأنها سبعة عشر ، ثم بعد التكلم عليها نتكلم على صفتي الخفاء والغنة لأنهما من الصفات اللازمة أيضا . وقد ذكرهما كثير من أئمة هذا الفن . فنقول : اعلم أن الصفات السبع عشرة تنقسم إلى قسمين : قسم له ضدّ وهو خمسة وضدّه كذلك ؛ بجعل ما بين الرخاوة والشدّة مع أحدهما كما يأتي ، وقسم لا ضدّ له وهو سبع ؛ فذوات الأضداد : الجهر وضدّه الهمس ، والشدة وضدّها الرخاوة ، وما بينهما ، والاستعلاء وضدّه الاستفال ، والإطباق وضدّه الانفتاح ، والإذلاق وضده الإصمات . وأما التي ليس لها أضداد : فالصفير ، والقلقلة ، واللين ، والانحراف ، والتكرير ، والتفشّي ، والاستطالة ، فالجملة سبعة عشر ؛ فكلّ حرف يأخذ خمس صفات من المتضادّة ، وأما غير المتضادّة فتارة يأخذ منها صفة أو صفتين ، وتارة لا يأخذ شيئا ؛ فغاية ما يجتمع في الحرف الواحد سبع صفات ؛ فالراء يكمل لها سبع صفات : الانحراف ، والتكرير ، والخمسة المتضادّة . وسيأتي بيان ذلك إن شاء اللّه تعالى في الفصل الخامس في ذكر توزيع الصفات على موصوفاتها . ولنشرع الآن في بيان معاني الصفات لغة واصطلاحا ، وبيان عدد حروفها فنقول :