الشيخ محمد مكي نصر الجريسي
35
نهاية القول المفيد في علم تجويد القرآن
الفصل الثاني في بيان عدد مخارج الحروف اعلم أن المخارج اختلف العلماء فيها على ثلاثة أقوال : فذهب الخليل بن أحمد وأكثر النحويين وأكثر القرّاء ومنهم ابن الجزري إلى أنها سبعة عشر مخرجا ، وذهب سيبويه ومن تابعه ومنهم الشاطبي إلى أنها ستة عشر مخرجا ، وذهب قطرب والجرمي وابن كيسان وابن زياد الفراء إلى أنها أربعة عشر مخرجا . أما من جعلها سبعة عشر فجعل في الجوف مخرجا ، وفي الحلق ثلاثة مخارج ، وفي اللسان عشرة ، وفي الشفتين اثنين ، وفي الخيشوم واحدا . ومن جعلها ستة عشر أسقط الجوف وفرّق حروفه ، فجعل الألف من أقصى الحلق ، والياء من وسط اللسان ، والواو من الشفتين . ومن جعلها أربعة عشر أسقط الجوف كسيبويه ، وجعل مخارج اللسان ثمانية بجعل مخرج اللام والنون والراء مخرجا واحدا أي كليّا منقسما إلى ثلاثة مخارج جزئية . وأنا أتبع في هذه الرسالة إن شاء اللّه تعالى مذهب الخليل بن أحمد تبعا لابن الجزري قدّس اللّه سرّه السري . إذا علمت ذلك فاعلم أن المخارج يجمعها خمسة مواضع : الجوف ، والحلق ، واللسان ، والشفتان ، والخيشوم . فإذا أردت أن تعرف مخرج حرف فسكّنه أو شدّده ، وهو الأظهر ، ملاحظا فيه صفات ذلك الحرف ، وأدخل عليه همزة الوصل بأي حركة كانت ، وأصغ إليه السمع ، فحيث انقطع الصوت : كان مخرجه المحقق ، وحيث يمكن انقطاع الصوت في الجملة : كان مخرجه المقدّر ، فتدبّر . ثم اعلم أن معرفة المخرج بمنزلة الوزن والمقدار ، ومعرفة الصفة بمنزلة المحكّ والمعيار ، ولما كانت مادة الحرف الصوت ، الذي هو الهواء الخارج من داخل الرئة متصعدا إلى الفم ، رتب العلماء مخارج الحروف باعتبار الصوت ، فيقدّمون في الذكر ما هو أقرب إلى ما يلي الصدر ، ثم الذي يليه ، وهكذا ، حتى ينتهي إلى مقدّم الفم . وها أنا أذكرها إن شاء اللّه تعالى مرتبة كذلك فأقول : المخرج الأول الجوف : أي جوف الحلق والفم ، وهو الخلاء الداخل فيهما ، ويخرج منه حروف المد الثلاثة ، أحدها الألف ، ولا تكون إلا ساكنة ، ولا يكون ما قبلها إلا مفتوحا ، وثانيها الواو الساكنة المضموم ما قبلها ، وثالثها الياء الساكنة المكسور ما قبلها ، وتسمى هذه الحروف الثلاثة حروف مدّ ولين لأنها تخرج بامتداد ولين من غير كلفة على اللسان لاتساع مخرجها ؛ فإنّ المخرج إذا اتسع انتشر الصوت فيه وامتد ولان ،