الشيخ محمد مكي نصر الجريسي
243
نهاية القول المفيد في علم تجويد القرآن
أن النبيّ صلى اللّه عليه وسلم سمع جماعة من أصحابه يجهرون في صلاة الليل ، فصوّب ذلك . وقد قال صلى اللّه عليه وسلم : « إذا قام أحدكم من الليل يصلّي فليجهر بالقراءة فإن الملائكة وعمّار الدار يسمعون قراءته ويصلّون بصلاته » . ومرّ صلى اللّه عليه وسلم بثلاثة من أصحابه رضي اللّه عنهم مختلفي الأحوال ؛ فمرّ على أبي بكر رضي اللّه عنه وهو يخافت فسأله عن ذلك فقال : « إن الذي أناجيه هو يسمعني » ، ومرّ على عمر رضي اللّه عنه وهو يجهر فسأله عن ذلك فقال : « أوقظ الوسنان وأزجر الشيطان وأرضي الرحمن » ، ومرّ على بلال رضي اللّه عنه وهو يقرأ آيا من هذه السورة وآيا من هذه السورة ، ويسرّ تارة ويجهر أخرى ، فسأله عن ذلك فقال : أخلط الطيّب بالطيّب ، وأنتقل من بستان ، إلى بستان . فقال صلى اللّه عليه وسلم : « كلّكم قد أحسن وأصاب » فالوجه في الجمع بين هذه الأحاديث أن الإسرار أفضل حيث خاف الرياء أو تأذّى به مصلّون أو نيام ، والجهر أفضل في غير ذلك ؛ لأن العمل فيه أكثر ، ولأن فائدته تتعدّى القارئ إلى السامعين ، ولأنه يوقظ قلب القارئ ويجمع همّه إلى الفكر ، ويصرف سمعه إليه ، ويطرد النوم ، ويزيد في النشاط . ويدلّ لهذا الجمع حديث أبي داود بسند صحيح عن أبي سعيد : « اعتكف رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم في المسجد فسمعهم يجهرون بالقراءة ، فكشف الستر وقال : « ألا كلّكم مناج لربّه فلا يؤذينّ بعضكم بعضا ولا يرفعنّ بعضكم على بعض في القراءة » وقال بعضهم : يستحبّ الجهر ببعض القراءة والإسرار ببعضها ؛ لأن المسرّ قد يملّ ، فيأنس بالجهر ، والجاهر قد يكلّ فيستريح بالإسرار . اه . ويسنّ أن يخلو بقراءته حتى لا يقطع عليه أحد بكلام فيخلطه بجوابه . وإذا مرّ بأحد وهو يقرأ فيستحبّ له أن يقطع القراءة ويسلّم ثم يرجع لقراءته ، ولو أعاد التعوّذ كان حسنا ، ويقطعها لردّ السلام وجوبا ، وللحمد بعد العطاس ، وللتشميت ، ولإجابة المؤذن ندبا ، وإذا ورد عليه من فيه فضيلة من علم أو صلاح أو شرف : فلا بأس بالقيام له على سبيل الإكرام لا للرياء . ويسنّ أن يقرأ على ترتيب المصحف ؛ قال في شرح المذهب : لأن ترتيبه لحكمة ؛ فلا يتركها إلا فيما ورد به الشرع ؛ كصلاة صبح يوم الجمعة ب ألم ( 2 ) تَنْزِيلُ [ السجدة : الآيتان 1 ، 2 ] و هَلْ أَتى عَلَى الْإِنْسانِ [ الإنسان : الآية 1 ] ونظائره ، فلو فرّق السّور أو عكسها جاز ، وقد ترك الأفضل . وأن يلتقط الآيات من كل سورة فيقرأها ؛ فإنه روي عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أنه مرّ ببلال رضي اللّه عنه وهو يقرأ من هذه السورة ومن هذه السورة ، « فقال : « يا بلال مررت بك وأنت تقرأ من هذه السورة ومن هذه السورة ؟ » قال : أخلط الطيّب بالطيّب فقال : « اقرأ السورة على وجهها » أو قال : « على نحوها » . وقال ابن عوف : سألت ابن سيرين عن الرجل يقرأ من السورة آيتين ثم يدعها ويأخذ في غيرها ؟ قال : ليتّق أحدكم أن يأثم إثما كبيرا وهو لا يشعر .