الشيخ محمد مكي نصر الجريسي
191
نهاية القول المفيد في علم تجويد القرآن
ثم لمّا تمّت الصحف أخذها أبو بكر عنده إلى أن حضره مرض الموت فسلّمها إلى الفاروق رضي اللّه عنه ، فلم تزل عنده إلى أن مات ، فأخذتها أمّ المؤمنين حفصة بنت عمر رضي اللّه عنهما ، فلم تزل عندها إلى أن وقعت غزوة أرمينية في خلافة عثمان رضي اللّه عنه سنة 30 ه ، فاختلف الناس في القرآن اختلافا كثيرا ، وهمّوا أن يقتتلوا بسبب ذلك ، فجاء حذيفة بن اليمان رضي اللّه عنه إلى عثمان بن عفان وقال : يا أمير المؤمنين أدرك القرآن لئلّا يختلف الناس فيه اختلافا شديدا كاليهود والنصارى في التوراة والإنجيل ؛ فقد وقعوا بسبب ذلك الاختلاف في أمر عظيم ؛ فاكتبه في مصحف ترجع الناس إليه . ففزع عثمان لذلك ، وجمع الصحابة رضي اللّه عنهم ، وكانت عدّتهم يومئذ اثني عشر ألفا ، وأخبرهم الخبر ، فأعظموه جميعا ، ورأوا ما رأى حذيفة ، فأرسل عثمان إلى حفصة أمّ المؤمنين أن أرسلي إليّ الصحف ننسخها ونردّها إليك ، فبعثت بها إليه . وأحضر زيد بن ثابت ومعه جماعة من قريش ، وأمرهم أن ينسخوها في المصاحف ، وجعل الرئيس عليهم زيد بن ثابت لعدالته وحسن سيرته ولكونه كان كاتب الوحي بين يدي النبيّ صلى اللّه عليه وسلم ، وكان قد قرأ القرآن على النبيّ صلى اللّه عليه وسلم بعد العرضة الأخيرة - وهي حاكمة على المتقدمات - وكان يقرئ الناس بها ، ولذلك اعتمده الصدّيق رضي اللّه عنه في جمعه للقرآن على ما تقدّم ، فنسخوها رضي اللّه عنهم في الورق ، ولم يغيّروا ، ولم يبدّلوا ، ولم يقدّموا ، ولم يؤخّروا ، بل كتبوه على الترتيب كما في اللوح المحفوظ باتفاق منهم بتوقيف جبريل عليه السلام للنبيّ صلى اللّه عليه وسلم على ذلك ، وإعلامه عند نزول كلّ آية بموضعها ، وأين تكتب . ولم يختلفوا إلا في لفظ التَّابُوتُ [ البقرة : الآية 248 ] فقال بعضهم : يكتب بالتاء المجرورة « كالطاغوت » ، وخالف بعضهم وقال : يكتب بالهاء المربوطة « كالتوراة » ، فراجعوا عثمان في ذلك ، فقال : « اكتبوه بالتاء المجرورة فإنها لغة قريش » فكتبوا كما أمرهم به . فلما تمت الكتابة قال عثمان رضي اللّه عنه : التمسوا له اسما . فقال قوم : الكتاب ، وقال آخرون : السّفر ، وقال آخرون : « المصحف » ؛ وهو اسم أعجمي ذكره ابن السكيت في إصلاح المنطق ومعناه جامع الصّحف . ثم ردّ عثمان الصحف إلى حفصة رضي اللّه عنها ، وأرسل إلى كل مصر بمصحف مما نسخوا ، وأمرهم أن يحرقوا كلّ مصحف يخالف الذي أرسل إليهم به . قال القسطلاني : أوّل باب : جمع القرآن في الصّحف ، ثم جمع تلك الصحف في المصحف بعد النبيّ صلى اللّه عليه وسلم ، وإنما ترك النبيّ صلى اللّه عليه وسلم جمع القرآن في مصحف واحد لعدم وجود الورق ، ولأن النّسخ كان يرد على بعضه ، فلو جمعه ثم رفعت تلاوة بعضه لأدّى إلى