الشيخ محمد مكي نصر الجريسي
189
نهاية القول المفيد في علم تجويد القرآن
أن يكثر الورق يكتبون ما نزل في القرآن على عسب السّعف ؛ جمع عسيب ؛ وهو الأصل العريض من جريد النخل ، وعلى الألواح من أكتاف الغنم ، وغيرها من العظام الطاهرة ، والخزف ، والأدم ؛ أي الجلود مثل رقّ الغزال ، واللخاف وهي الحجارة العريضة البيض . قال في المطالع : « وهذه الأشياء هي التي يطلق عليها اسم المصحف في قولهم : « مخلّف طه سبحتان ومصحف » ، وكان دأب الصحابة رضي اللّه عنهم في حياة رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم المبادرة إلى حفظ القرآن وتصحيحه وتتبّع وجوه قراءاته . وكان النبيّ صلى اللّه عليه وسلم يعرضه على جبريل عليه السلام في كل عام في رمضان مرة ، وفي العام الذي قبض فيه عرضه عليه مرتين . وكان زيد بن ثابت رضي اللّه عنه قد شهد العرضة الأخيرة ، وهي حاكمة على المتقدمات ، وهي التي كان يقرئ الناس بها حتى مات رضي اللّه عنه . ولذلك اعتمده الصّدّيق رضي اللّه عنه في جمع القرآن على ما سيأتي بيانه ، فلما قبض رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم واتصل بربه عزّ وجلّ قام بالأمر بعده أحقّ الناس به أبو بكر رضي اللّه عنه . وفي خلافته ارتدّت قبائل من العرب ، وكان مسيلمة الكذاب وأصحابه منها ، وكان يدّعي النبوة بكذبه ، فجهّز إليه عصابة من المسلمين أولي بأس شديد ، وأمّر عليهم سيف اللّه خالد بن الوليد رضي اللّه عنه ، فقاتلوهم قتالا شديدا ، وتأخر الفتح ، فقتل من المسلمين ألف ومائتان ، منهم سبعمائة من القرّاء ، فانهزم المسلمون ، فحمل البراء بن مالك على أصحاب مسيلمة ، فانهزموا ، وتبعهم المسلمون حتى أدخلوهم حديقة ، فأغلقوا عليهم بابها ، فحمل البراء درقته ، وألقى نفسه عليهم حتى حصل معهم في الحديقة ، وضاربهم حتى فتح الباب للمسلمين ، فدخلوا وقتلوا مسيلمة وأصحابه ، وقتل من المسلمين زهاء عشرة آلاف ، فسميت حديقة الموت . فلما رأى عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه ما وقع بقرّاء القرآن ، خشي على من بقي منهم ، وأشار على أبي بكر بجمع القرآن ، فأرسل أبو بكر رضي اللّه عنه إلى زيد بن ثابت رضي اللّه عنه وأمره بجمع القرآن ، فجمعه . قال زيد : « فكنت أتتبع القرآن من المصحف ومن صدور الرجال والرقاع والأكتاف والأضلاع والعسب واللخاف وهي الحجارة العريضة البيض كاللوح » . فإن قيل : كان زيد حافظا للقرآن وجامعا له ؛ فما وجه تتبّعه المذكورات ؟ فالجواب : أنه كان يستكمل وجوه قراءاته ممن عنده ما ليس عنده ، وكذا نظره في المكتوبات التي قد عرفت كتابتها وتيقّن أمرها ؛ فإنها أو أكثرها مما كتب بين يدي النبيّ صلى اللّه عليه وسلم ، فلا بد من النظر فيها - وإن كان حافظا - ليستظهر بذلك ، وليعلم هل فيها قراءة غير قراءته أم لا . وإذا استند الحافظ عند الكتابة إلى أصل يعتمد عليه كان آكد وأثبت .