الشيخ محمد مكي نصر الجريسي
151
نهاية القول المفيد في علم تجويد القرآن
الصحيحين أن أم سلمة قالت : « كان رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يقطّع قراءته ؛ يقول : الحمد للّه رب العالمين ثم يقف . . . » الحديث . قال بعضهم : إن معرفة الوقف تظهر مذهب أهل السنّة من مذهب المعتزلة ؛ كما لو وقف على قوله تعالى : وَرَبُّكَ يَخْلُقُ ما يَشاءُ وَيَخْتارُ [ القصص : الآية 68 ] فالوقف على وَيَخْتارُ هو مذهب أهل السنّة لنفي اختيار الخلق لا اختيار الحق ؛ فليس لأحد أن يختار ، بل الخيرة للّه تعالى ، أخرج هذا الأثر البيهقي في سننه . وروي أن رجلين أتيا النبيّ صلى اللّه عليه وسلم فتشهّد أحدهما فقال : « من يطع اللّه ورسوله فقد رشد ومن يعصهما » ووقف ، فقال له النبيّ صلى اللّه عليه وسلم : « قم بئس الخطيب أنت ؛ قل : ومن يعص اللّه ورسوله فقد غوى » ففي الخبر دليل واضح على كراهة القطع على المستبشع من اللفظ المتعلق بما يبين حقيقته ويدل على المراد منه لأنه صلى اللّه عليه وسلم إنما أقام الخطيب لمّا قطع على ما يقبح ؛ إذ جمع بقطعه بين حال من أطاع ومن عصى ، ولم يفصل بين ذلكم ، وإنما كان ينبغي له أن يقطع على قوله : « فقد رشد » ثم يستأنف ما بعد ذلك ، أو يصل كلامه إلى آخره فيقول : « ومن يعصهما فقد غوى » . فإذا كان مثل هذا مكروها مستبشعا في الكلام الجاري بين المخلوقين فهو في كلام اللّه تعالى أشدّ كراهة واستبشاعا وتجنبه أولى وأحقّ . وقال الهذلي في كامله : « الوقف حلية التلاوة » ، وزينة القارئ ، وبلاغ التالي ، وفهم المستمع ، وفخر العالم ، وبه يعرف الفرق بين المعنيين المختلفين والنقيضين المتنافيين والحكمين المتغايرين » . وقال أبو حاتم : « من لم يعرف الوقف لم يعرف القرآن » . وقال ابن الأنباري : « من تمام معرفة القرآن معرفة الوقف والابتداء ؛ إذ لا يتأتى لأحد معرفة معاني القرآن إلا بمعرفة الفواصل » فهذا أدلّ دليل على وجوب تعلّمه وتعليمه ؛ فينبغي للقارئ أن يقطع الآية التي فيها ذكر النار أو العقاب عمّا بعدها إن كان بعدها ذكر الجنة أو الثواب ، وكذلك يقطع الآية التي فيها ذكر الجنة أو الثواب عمّا بعدها إن كان بعدها ذكر النار أو العذاب ، وذلك نحو قوله : فَأُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ [ البقرة : الآية 81 ] هنا الوقف التام ، ولا يجوز أن يوصل ذلك بقوله : وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ [ البقرة : الآية 82 ] . ونحو قوله : يُدْخِلُ مَنْ يَشاءُ فِي رَحْمَتِهِ [ الإنسان : الآية 31 ] هنا الوقف التام ، ولا يجوز أن يوصله بقوله : وَالظَّالِمِينَ [ الإنسان : الآية 31 ] . وكذا كلّ ما هو خارج عن حكم الأوّل فإنه يقطع . اه . قال شيخ الإسلام زكريا الأنصاري : « اعلم أن القارئ كالمسافر ، والمقاطع التي ينتهي إليها القارئ كالمنازل التي ينزلها المسافر ، وهي مختلفة بالتام والحسن وغيرهما مما يأتي كاختلاف المنازل في الخصب ، ووجود الماء والكلأ ، وما يتظلل به من شجر