الشيخ محمد مكي نصر الجريسي
15
نهاية القول المفيد في علم تجويد القرآن
[ الإسراء : الآية 20 ] فإنه إذا لم يعط كلّا من الصاد المهملة والظاء المشالة حقّه من الاستعلاء والإطباق صارت الصاد المهملة سينا والظاء المشالة ذالا معجمة ويصير اللفظ « عسى » و « محذورا » ! تنبيه : في الفرق بين حقّ الحروف ومستحقّها : اعلم أن حق الحروف صفاتها الذاتية اللازمة لها ؛ كالجهر والشدة والاستعلاء ، فإنها لازمة لذوات بعض الحروف ، غير منفكة عنها ، فإن انفكت يكون الانفكاك لحنا جليّا في بعض الصفات ، ولحنا خفيّا في بعض ، وأن مستحقها ما ينشأ عن تلك الصفات الذاتية اللازمة كالتفخيم ؛ فإنّه ناشئ عن كلّ من الاستعلاء والتكرير ، وكالترقيق فإنه ناشئ عن الاستفال ، وذلك أن التفخيم الناشئ عن الاستعلاء والتكرير يكون في الحرف حال سكونه وتحريكه بالفتح والضم فقط ، وأما حال تحريكه بالكسر فلا يوجد فيه التفخيم بل ضدّه وهو الترقيق ؛ لأن بين الكسر والتفخيم مانعة الجمع ؛ إذ الكسر يستدعي انخفاض اللسان ، والتفخيم يستدعي ارتفاعه ، وأن الترقيق الناشئ عن الاستفال المذكور يكون في الراء حال كسرها ، وفي اللام إذا لم تكن في الاسم الجليل وقبلها فتح أو ضمّ : فلا يكون فيها ترقيق مع أنها مستفلة أيضا . قال أبو عمرو الداني رحمه اللّه تعالى : « ينبغي للقارئ أن يعوّد نفسه على تفقّد الحروف التي لا يوصل إلى حقيقة اللفظ بها إلا بالرياضة الشديدة والتلاوة الكثيرة مع العلم بحقائقها والمعرفة بمنازلها ؛ فيعطى كلّ حرف منها حقّه من المدّ إن كان ممدودا ومن التّمكن إن كان متمكنّا ، ومن الهمز إن كان مهموزا ، ومن الإدغام إن كان مدغما ، ومن الإظهار إن كان مظهرا ، ومن الإخفاء إن كان مخفيّا ، ومن الحركة إن كان محرّكا ، ومن السكون إن كان مسكّنا ، ويكون ذلك على حسب ما يتلقاه من أفواه المشايخ العارفين بكيفية أداء القراءة حسبما وصل إليهم من مشايخهم من الحضرة النبوية العربية الأفصحية ، لا مجرد اقتصار على النقل من الكتب المدوّنة أو اكتفاء بالعقل المختلف الأفكار ، وللّه درّ الحافظ ابن الجزري حيث قال : « ولا أعلم سببا لبلوغ نهاية الإتقان والتجويد ، ووصول غاية التصحيح والتسديد ، مثل رياضة الألسن والتكرار على اللفظ المتلقّى من فم المحسّن ، وأنت ترى تجويد حروف الكتابة كيف يبلغها الكاتب بالرياضة أو التكرار وتوقيف الأستاذ » . وللّه درّ الحافظ أبي عمرو الداني رحمه اللّه حيث يقول : « ليس بين التجويد وتركه إلا رياضة لمن تدبره بفكّه ؛ فلقد صدق وبصر وأوجز في القول وما قصّر ، فإذا أحكم القارئ النطق بكل حرف على حدته موفيا حقّه ، فليعمل