الشيخ محمد مكي نصر الجريسي

12

نهاية القول المفيد في علم تجويد القرآن

تعالى أنزله مجوّدا مرتلا ، وقد وصل إلينا كذلك من المشايخ العارفين بتحقيقه وتدقيقه ، المتصل سندهم بالنبيّ صلى اللّه عليه وسلم ، عن جبريل ، عن اللوح المحفوظ ، عن اللّه عزّ وجلّ [ اه . شرح ابن غازي وشرح الملا علي ] . ومنها ما رواه مالك في موطئه والنّسائي في سننه عن حذيفة عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أنه قال : « اقرءوا القرآن بلحون العرب » زاد الطبراني في الأوسط والبيهقي في شعب الإيمان : « وأصواتها ، وإياكم ولحون أهل الفسق والكبائر » وفي رواية « أهل الفسق وأهل الكبائر » ، وفي رواية للطبراني في الأوسط والبيهقي في شعب الإيمان : « ولحون أهل الكتابين وأهل الفسق » وفي رواية : « أهل العشق ؛ فإنه سيجيء » وفي رواية « سيأتي أقوام من بعدي يرجّعون القرآن ترجيع الغناء والرهبانية والنّوح ، لا يجاوز حناجرهم ، مفتونة قلوبهم وقلوب من يعجبهم شأنهم » اه . والمراد بالقراءة بلحون العرب قراءة الإنسان بحسب جبلّته وطبيعته على طريقة العرب العرباء الذين نزل القرآن بلغتهم ، والمراد بلحون أهل الفسق والكبائر : مراعاة الأنغام المستفادة من العلم الموضوع لها ؛ فإن راعى القارئ النغمة فقصر الممدود ومدّ المقصور : حرم ذلك ، وإن قرأه على حسب ما أنزل اللّه من غير إفراط ولا تفريط : فإنه يكون مكروها . وقوله صلى اللّه عليه وسلم : « فإنه سيجيء أقوام من بعدي » يشير بذلك إلى هذه الأزمنة التي كثر التخليط فيها من حب الرئاسة واستباحة المحرّم وعدم الاكتراث أي الاعتناء بما جاء من الوعيد في ذلك ، « والغناء » بكسر الغين وبالمد بمعنى التّغنّي ، بخلافه بالقصر فإنه ضد الفقر ، فإن فتحت غينه مع المد فهو بمعنى الكفاية ، ومنه قول الشاطبي رحمه اللّه تعالى : « وأغنى غناء » قال شارح كتابه : أي أكفى كفاية . والمراد بالرهبانية ما تفعله النصارى في كنائسهم من التطريب وضرب النواقيس ونحها ، والمراد بالنّوح ما تفعله النائحة في التعديد وذكر الشمائل بصوت حزين . وقوله صلى اللّه عليه وسلم : « لا يجاوز حناجرهم » أي لا يقبل ولا يرتفع ؛ لأنّ من قرأ القرآن على غير ما أنزل اللّه تعالى ولم يراع فيه ما أجمع عليه : فقراءته ليست قرآنا وتبطل به الصلاة كما قرره ابن حجر في الفتاوى ، وغيره ، قال شيخ الإسلام : والمراد بالذين لا يجاوز حناجرهم : الذين لا يتدبرونه ولا يعملون به . ومن العمل به : تجويده وقراءته على الصفة المتلقاة من الحضرة النبوية الأفصحية . وقال الشيخ الشعراني في « الكبريت الأحمر في بيان علوم الشيخ الأكبر » ما نصّه : وقال في حديث البخاري في الذين يقرءون القرآن لا يجاوز حناجرهم : اعلم أن من لم يكن وارثا لرسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم في مقام تلاوة القرآن إنما يتلو حروفا ممثّلة في خياله حصلت له من ألفاظ معلّمه إن كان أخذه عن تلقين ، أو من حروف كتابه إن كان أخذه عن كتابه ، فإذا أحضر تلك الحروف في خياله ونظر إليها بعين