الشيخ محمد مكي نصر الجريسي

105

نهاية القول المفيد في علم تجويد القرآن

وأما أسبابه فثلاثة : أحدها : التماثل وهو أن يتحدد الحرفان مخرجا وصفة كالباءين والميمين نحو قوله : نُصِيبُ بِرَحْمَتِنا [ يوسف : الآية 56 ] و وَيا قَوْمِ ما لِي [ غافر : الآية 41 ] و اذْهَبْ بِكِتابِي [ النّمل : الآية 28 ] و فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ [ البقرة : الآية 10 ] . وثانيها التجانس : وهو أن يتفقا مخرجا ويختلفا صفة ؛ كالتاء مع الطاء والدال مع التاء نحو قوله : وَلْتَأْتِ طائِفَةٌ [ النّساء : الآية 102 ] و تَكادُ تَمَيَّزُ [ الملك : الآية 8 ] . وثالثها التقارب : وهو أن يتقاربا مخرجا أو صفة ؛ كالدال والسين المهملتين فإنهما متقاربان مخرجا نحو قَدْ سَمِعَ [ المجادلة : الآية 1 ] وكالتاء المثناة الفوقية والثاء المثلثة نحو كَذَّبَتْ ثَمُودُ [ الشّعراء : الآية 141 ] فإنهما متقاربتان صفة لأنهما مهموستان منفتحتان مستفلتان مرقّقتان مصمتتان مشتركتان في انتفاء الاستطالة والصفير والتكرير والتفشّي والخفاء ، إلا أن التاء شديدة والثاء رخوة ؛ فالتقارب في الصفة أن يتفقا في أكثرها ، وكاللام والراء فإنهما متقاربان فيهما . وقد أشار بعضهم إلى بيان كلّ من الثلاثة فقال : الاتفاق مخرجا وصفة * تماثل في نحو باءين أتى والخلف في الأوصاف دون المخرج * تجانس في الطاء والتاء يجي والقرب في المخرج أو في الصفة * أو فيهما تقارب فاستثبت كالدال مع سين وشين أو كرا * واللام قد زال الجدال والمرا قال المرعشي في حاشية رسالته : وأمّا عكس هذا بأن اختلفا مخرجا واتفقا صفة ؛ كالدال المهملة والجيم : فغير داخل في شيء من هذه الأقسام الثلاثة ، وقد أدغم بعض القراء الدال في الجيم في مثل قوله تعالى : قَدْ جَعَلَ اللَّهُ [ الطّلاق : الآية 3 ] ولعل الأولى إدخاله في المتجانسين بأن يقال : اتفقا مخرجا واختلفا صفة ، أو بالعكس . ثم اعلم أن الحرفين إن تماثلا - والأوّل ساكن - ففيه عمل واحد وهو الإدغام ، أو الأوّل متحرّك ففيه عملان : إسكان وإدغام . وإن لم يتماثلا بأن تقاربا أو تجانسا والأوّل ساكن فعملان : قلب ، وإدغام . أو متحرك فثلاثة أعمال : إسكان ، وقلب ، وإدغام . فالساكن أقلّ عملا من المتحرك ، ومن ثم سمّي إدغامه إدغاما صغيرا ، وسمّي إدغام المتحرك بعد إسكانه : إدغاما كبيرا . وسمي كبيرا لكثرة وقوعه ، وأن الحركة أكثر من السكون ، وقيل لشموله نوعي المثلين والمتقاربين والمتجانسين ، وقيل بل لكثرة عمله لأنه يحتاج فيه إلى إسكان الحرف الأوّل وإدغامه في الثاني من المتماثلين ، ويزيد على ذلك