ساسي سالم الحاج

99

نقد الخطاب الاستشراقي

الرحلة الأولى ، كما زادته تأملا وتفكيرا في كلّ ما رأى وسمع من قبل عن العبادات والعقائد بالشام أو بالأشواق المحيطة بمكة . فلما بلغ بصرى اتصل بنصرانية الشام وتحدث إلى رهبانها وأحبارها وتحدث إليه راهب نسطوري وسمع منه . ولعله أو لعل غيره من الرهبان قد جادل محمدا في دين عيسى . . . إلخ » « 1 » . وقد أشرنا في مناسبات عديدة إلى تعرّضنا لهذه الشبهات ورودنا عليها ، ولكن الغريب في الأمر أن يؤكد المستشرقون أن الرسول تأثّر كذلك « بزيد بن حارثة » الذي أهدته له خديجة وهو صبي صغير ، فتبنّاه وسمع منه بعض التعاليم والأساطير المسيحية . ولعلّ في تلمّس العلل الواهية ، والبراهين الضعيفة لإيجاد علاقة بين الرسول وهذه الديانات يدل بما لا مجال للشك فيه على افتراض هؤلاء المستشرقين لهذه الافتراضات التعسفية الواهية الخالية من كل منطق سليم أو دليل علمي سائغ والمبنيّة على سوء نيّة مبيتة لنفي كل أصالة عن الديانة الإسلامية وكتابها المقدّس . وإلّا فكيف بربك تصدق أن طفلا صغيرا من قبيلة « كلب » - القاطنة في أعماق الصحراء العربية والتي يشتغل أفرادها برعي الأغنام أو كأدلّاء للقوافل التجارية - أن يتبحّر في الديانة المسيحية . وأن يستوعبها من مظانها ، وأن يتشرّب تعاليمها وهو لم يتعد العاشرة من عمره ، ثم يتعرّض لسطو إحدى القبائل المغيرة - وهو في هذه السن المبكرة - ويؤتى به مقيّدا بأصفاد الرق والعبودية إلى مكة ، ويباع على هذه الصفة في أسواقها . ثم يهدى إلى الرسول قبل مبعثه فيعتقه ثم يتبناه ثم يستقي منه معارفه ومعلوماته عن الديانة المسيحية ومذاهبها وعقائدها ، وطقوسها وتعاليمها التي يعجز عنها المتخصصون فما بالك بصبي صغير لا يعقل ولا يفهم عن هذه الأمور شيئا ؟ . ثم إنه لو كان الأمر كذلك لما سكتت قريش عن التنديد بهذه العلاقة الثقافية المزعومة التي ربطت الرسول بزيد . وقد فعلت ذلك بالنسبة إلى آخرين افترضت أن الرسول كان يستقي معارفه منهم ، وقد ردّ القرآن عليها ردّا علميّا منطقيّا سليما . هكذا عالج المستشرقون السيرة النبوية قبل البعثة بمنهج الشك في الكثير من دقائق السيرة وتفاصيلها ، وأنكروا العديد من الحوادث والأخبار اليقينيّة الواردة في المصادر الإسلامية . وأنكروا كل المعجزات وخوارق الأمور التي نسبت إليه . وشكّكوا

--> ( 1 ) المرجع السابق ، ص 121 .