ساسي سالم الحاج
98
نقد الخطاب الاستشراقي
سنة . ومنها : أن السيدة خديجة قد عرضت نفسها على الرسول للزواج منها لما لمست فيه من خصال حميدة كالصدق ، والإخلاص والأمانة خاصة بعد أن اشتغل كوكيل عنها في قافلة تجارية إلى الشام « 1 » . ومنها : أنه من خطل الرأي الافتراض بأن خديجة اشترطت على الرسول في عقد زواجهما ألّا يتزوج بغيرها ، لأن العرب لم يكونوا يحررون عقود زواجهم كتابة حتى يمكننا القول باحتوائه على بعض الشروط لمصلحة أحد الأطراف المتعاقدة ، إذ لا وجود لمأذون أو محرر عقود ، أو مكاتب زواج في ذلك الزمان والمكان . ولأن خديجة - وقد عرضت نفسها على الرسول للزواج بها - يستحيل أن تفرض عليه شروطا معيّنة كتلك التي زعم « رودنسون » أن عقد زواجهما ربما نص عليها . ومنها : أن التحليل النفسي لا يمكن الاستعانة به لوصف حالة الرسول النفسية التي دعته إلى الزواج من سيدة أكبر منه سنّا بحجة أنه كان نوعا من التعويض عن فقد أمّه في سن مبكرة ، ذلك أن قضية سن خديجة التي وصفتها الروايات بأنها قد بلغت الأربعين من عمرها مبالغ فيها . والرأي الراجح أنها كانت أصغر من تلك السن بدليل أنها أنجبت له ولدين وأربع بنات . ولو كان عمرها أربعين سنة لما استطاعت إنجاب هذا العدد من الأطفال نظرا لضعف خصوبة النساء في هذه السن ، ولضعف النساء العربيات الجسدي في ذلك الزمان الذي تعتبر فيه هذه السن متقدمة جدّا بالنسبة إليهن . عزف المستشرقون كثيرا على تأثّر الرسول بالديانتين اليهودية والمسيحية ، وقد جاراهم في ذلك بعض الكتّاب المسلمين المحدّثين بحسن نيّة . فهذا الأستاذ « محمد حسين هيكل » يسطر في كتابه « حياة محمد » « أن الرسول إبّان سفرته الأولى للشام رفقة عمّه عرف أخبار الروم ونصرانيتهم ، وسمع عن كتابهم وعن مناوأة الفرس من عبّاد النار لهم وانتظارهم الوقيعة بهم » « 2 » . ونحن نتساءل : كيف يستطيع صبّي صغير لم يتجاوز الثانية عشرة من عمره أن يلمّ بهذه القضايا الدينية العويصة ، وذلك الصراع السياسي والعسكري والديني الدائرة رحاه بين الفرس والروم ؟ . وهذا الأستاذ « هيكل » يعود من جديد إلى ترديد هذه النغمة بمناسبة حديثه عن سفر الرسول إلى الشام مرة ثانية عندما استأجرته خديجة على ذلك فيقول : « وأحيت هذه الرحلة في نفسه ذكريات
--> ( 1 ) الطبري ، تاريخ الطبري ، المرجع السابق ، ج 2 ، ص 1128 والأسلوب من عندنا . ( 2 ) محمد حسين هيكل ، حياة محمد ، المرجع السابق ، ص 115 .