ساسي سالم الحاج
97
نقد الخطاب الاستشراقي
وأخيرا فإننا لا نجهل غرض المستشرقين من نفي الأميّة عن الرسول ليبرهنوا على أنه هو الذي وضع وألف القرآن من ألفه إلى يائه ، وأنه استقى مصادره من الكتب المقدسة الأخرى ومن أعراف الجاهليين وعاداتهم وأحكامهم وفقههم ، وأنه قد اطلع على قصص الأقدمين في الكتب المقدّسة وسطّرها بأسلوبه العربي الفصيح . وقد عرضنا هذه الشبهات جميعا ، في الجزء الأول من كتابنا ودحضناها وأبطلنا حجج القائلين بها . وعندما تعرّض المستشرقون لزواج الرسول بخديجة فإنهم وصفوه بزواج مصلحة . وكأنه لا سبيل للرسول في كسب رزقه ، وشق طريقه في المجتمع المكي - المحكوم برجال المال والأعمال ، والمرتبط بالمصالح المادية المحمومة - إلا بالزّواج بسيدة غنيّة كالسيدة خديجة ، وكأن هذه الوسيلة هي الوحيدة المتاحة له لارتقاء سلّم النجاح في مجتمعه . ويضيف « رودنسون » لهذه الافتراضات المتعسفة أن الرسول عندما ارتبط بخديجة برباط الزوجيّة ربما يكون عقد زواجهما قد احتوى على شرط يمنعه من التزوّج عليها . ثم يناقض هذا الرأي مباشرة بقوله : إن هذا الشخص المعروف عنه مراعاته للأصول وقواعد العدالة قد ارتبط بأم أولاده برباط أقوى من أية شروط مكتوبة . ولعلّه من السهولة بمكان دحض هذه الشبهات من عدة أوجه منها : أن الرسول صلّى اللّه عليه وسلم قد بقي عزبا حتى الخامسة والعشرين من عمره ، لأنّ هذا العمر مناسب لزواج الشباب من أمثاله بحيث يكونون قد اكتملوا جسديّا وماديّا وعقليّا ولا تعتبر هذه السن متأخرة بمقياس ذلك الزمان . وهذه المجتمعات البدوية الحالية لا يزال شبابها يتزوجون في مثل هذه السن التي تزوّج فيها الرسول حتى وإن كانت مظاهر الحياة المادية العصرية لا تقتضي التأخير في زواجهم إلى حين استكمال سنوات الدراسة والتأهيل ، وإعداد بيت الزوجية بما يتطلبه من استعدادات مادية باهظة . ومنها : أن الرسول لم يكن محتاجا إلى النجاح في المجتمع المكي بزواجه من امرأة غنيّة تقيه الفاقة والبحث عن العمل الشريف لكسب رزقه . وقد عرف عنه اعتماده على نفسه في جميع أموره سواء أكان ذلك قبل البعثة أو بعدها . ومنها : أن وصف الحياة المكية بتلك الصورة القاتمة التي تمثل الصراع المحموم بين رجال المال والأعمال ليست بتلك التي يسطّرها المستشرقون في مؤلفاتهم ، بحيث إن القارئ يشعر وكأن ما تقوم به الرأسمالية الحديثة المتمثلة في بيوت المال والأعمال بنيويورك وباريس ولندن وطوكيو وغيرها من العواصم الكبرى هي صورة مصغرة لما كانت عليه مكة قبل ألف وأربعمائة