ساسي سالم الحاج

95

نقد الخطاب الاستشراقي

نزلت لتبرهن على صدق نبوّته ، فهو لا يقرأ ولا يكتب ولا يخالط أهل الكتاب ومع ذلك يورد الأحكام والقصص وأنباء الغيب . ثم يستطرد القرطبي في بيان إمكانية علم الرسول بالقراءة والكتابة بعد مبعثه ، ويصل بعد نقاش طويل وعرض مفصّل للعديد من الروايات إلى أنه صلّى اللّه عليه وسلّم ، قرأ صحيفة لعيينة بن حصن ، ولكن ابن عطية ضعّف هذا الرأي وسانده الباجي في ذلك . وينتهي القرطبي بعدئذ إلى أن معنى « كتب » أو « أخذ القلم » طبقا للروايات التي تصف الرسول بأنه قد تعلّم القراءة والكتابة بعد البعثة يراد به أمر من يكتب به من كتّابه « 1 » ، ولم يكن يكتب من تلقاء نفسه . وهذا هو رأينا واستنباطنا للروايات التي وصفت الرسول بعلمه القراءة أو الكتابة حتى قبل أن نطلع على رأي الباجي أو القرطبي أو غيرهما ويشهد اللّه على أننا صادقون في هذا الادّعاء . وهو ردّ مقنع على شبهات المستشرقين الذين حاولوا تأكيد معرفة الرسول للقراءة والكتابة من خلال تفسيرهم لهذه الآيات على ظواهرها . وإذا كان « رودنسون » قد فسّر معنى « الأمّي » « بالحكيم » استنادا إلى أصلها الحبشي ، فإنه لم يطلعنا على المصادر التي استقى منها معلوماته حتى نتأكد من صحتها ، هذا من جهة . ومن جهة أخرى فإن المستشرقين الآخرين والذين تضلّعوا في الدراسات واللغات الحبشية كافة لم يفسّروا هذه الكلمة هذا التفسير الذي ذهب إليه « رودنسون » . ومع ذلك فإن الأمانة العلمية تقتضي منّا التسليم بمعرفته للغة الأمهرية ، ولعلّه وجد هذا المعنى متطابقا في الأمهرية وافترض انحداره منها إلى اللغة العربية . إلّا أن الشك حول هذا التفسير لا يزال قويّا لدينا ، وآية ذلك أن بقية المستشرقين المتضلعين في دراسة القرآن مثل « نولدكه ، وشفالي ، وبوهل ، وشبرنجر ، وموير » وكل كتّاب الموسوعات الإسلامية واليهودية لم يذهبوا هذا المذهب في تفسير هذه الكلمة . فهذا « شبرنجر » افترض معرفة الرسول للقراءة والكتابة لأنه - حسب زعمه - قرأ أساطير الأولين « 2 » ، ولكنه لم يبرهن لنا كيفية ذلك ، ولا محّص الروايات الإسلامية التي أجمعت على جهله بهذه الفنون . ولم يشر إلى الآثار والعاديات التي أكدت هذه الواقعة

--> ( 1 ) القرطبي ، الجامع لأحكام القرآن ، ج 13 ، ص 351 وما بعدها . ( 2 ) Noldeke I . S . 16 , Ency . of Islam , Vol IV , p . 1016 .