ساسي سالم الحاج
94
نقد الخطاب الاستشراقي
قال : يعني بذلك جل ثناؤه وقل يا محمد للذين أوتوا الكتاب من اليهود والنصارى والأميّين ، الذين لا كتاب لهم من مشركي العرب أأسلمتم . . . الخ » « 1 » . كما أن المفسّرين عندما تعرّضوا لتفسير الآية الثانية من سورة « الجمعة » هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ رأوا أن كلمة « الأميّين » لا تعني الأمة الجاهلة بالقراءة والكتابة ، ولكنها تعني الأمة الوثنية التي لم تؤمن بأي كتاب من الكتب السماوية المقدسة « 2 » . وذهب المفسّرون نفس المذهب عند تفسيرهم للآية ( 48 ) من سورة العنكبوت وَما كُنْتَ تَتْلُوا مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتابٍ وَلا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذاً لَارْتابَ الْمُبْطِلُونَ * بَلْ هُوَ آياتٌ بَيِّناتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَما يَجْحَدُ بِآياتِنا إِلَّا الظَّالِمُونَ ولكنهم اختلفوا هل كان الرسول بعد النبوّة يقرأ ويكتب أو لا ؟ . فهذا « الألوسي » تعرّض في كتابه « روح المعاني » إلى هذا الموضوع قائلا : « اختلف في أنه صلّى اللّه عليه وسلّم ، أكان بعد النبوّة يقرأ ويكتب أم لا ؟ فقيل : إنه عليه الصلاة والسلام لم يكن يحسن الكتابة ، واختاره البغوي في التهذيب ، وقال : إنه الأصح . وادّعى بعضهم أنه صلّى اللّه عليه وسلّم صار يعلم الكتابة بعد أن كان لا يعلمها ، وعدم معرفتها بسبب المعجزة لهذه الآية ، فلمّا نزل القرآن واشتهر الإسلام وظهر أمر الارتياب تعرّف الكتابة حينئذ . وروى ابن أبي شيبة وغيره : ما مات صلّى اللّه عليه وسلّم حتى كتب وقرأ . ونقل هذا للشعبي فصدقه ، وقال : سمعت أقواما يقولونه وليس في الآية ما ينافي ذلك . ثم قال : ويشهد للكتابة أحاديث في صحيح البخاري وغيره ، كما ورد في صلح الحديبية : فأخذ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم الكتاب وليس يحسن يكتب فكتب : هذا ما قضى عليه محمد بن عبد اللّه ، الحديث « 3 » . وتعرّض القرطبي في « جامعه » إلى هذا الموضوع تفصيلا في معرض تفسيره للآية السابقة . وملخّص كلامه أن الرسول كان لا يقرأ ولا يكتب قبل نزول القرآن عليه ، حتى لا يرتاب المشركون في صحة رسالته ، وحتى لا ينكر نبوّته أهل الكتاب الذين يقولون إن صفة النبي المرتقب هو أمّيّ لا يعرف القراءة والكتابة . وأن هذه الآية قد
--> ( 1 ) أ - الطبري ، تفسير الطبري ، ج 28 ، ص 61 وما بعدها . ب - ابن كثير ، تفسير ابن كثير ، ج 4 ، ص 363 . ( 2 ) ج - القرطبي ، الجامع لأحكام القرآن ، ج 18 ، ص 91 . ( 3 ) الألوسي ، روح المعاني ، ج 21 ، ص 4 .