ساسي سالم الحاج

89

نقد الخطاب الاستشراقي

إمكانية تزويرها والعبث بها هي الأخرى ، وبالتالي يجب علينا طرح تاريخ البشرية برمّته ، هذا من جهة . ومن جهة أخرى فإذا سايرنا المستشرقين في شكوكهم حول هذه الواقعة فلما ذا إذا يتخذها بعض منهم دليلا قويّا على استقاء الرسول معارفه ومعلوماته من المصادر المسيحية ؟ . ولما ذا يصرّ هؤلاء المستشرقون على أن الرسول قد سافر فعلا مع عمه إلى الشام وهو في الثانية عشرة من عمره ، ويفترضون أنه قد شاهد تلك الحضارة المسيحية وانبهر بها ، بل وحضر الاحتفالات الكنسية الخاصة بها ، وأنه التقى رهبانها وقساوستها ، وتبادل معهم الأفكار والمعارف وأعجب بهم أيما إعجاب حتى لقد عبر في القرآن عن تقديره لهم ثم ينكرون إمكانية حصول واقعة اجتماعه ببحيرى الراهب ؟ . ولما ذا ينكر المستشرقون أن كتب العهد القديم - التي لم يدخلها التزييف والتحريف - قد أشارت بكل وضوح لا لبس فيه ولا غموض ، إلى أنه سيأتي في آخر الزمان نبي اسمه « أحمد » يكون خاتم الأنبياء والمرسلين ، وربما قد اطلع بحيرى على هذه الكتب ووعاها . وعرف صفة النبي المرتقب منها ، فلما مرّ عليه رفقة قافلة قومه تعرّف إليه من خلال سيمائه الموصوفة لديه ؟ . وكيف نستطيع أن نحلل دراسة « رودنسون » المادية للسيرة النبوية ، وبحثه الدءوب في علم النفس وعلم الطب النفسي وغيرهما لتفسير المكونات النفسية لهذه الشخصية التي قادته - دون غيرها - إلى اختراع هذه النظريات والمبادئ الإنسانية التي غيّرت وجه البشرية ؟ . وما قولك في محاولته ليّ رقبة الحقائق التاريخية عندما يفترض أن الرسول قد مارس ديانة آبائه وأجداده ؟ . يقول « رودنسون » : إن الرسول قبل مبعثه قد ضحّى بكبش على « العزى » وأن هناك رواية نادرة صورته بأنه قد أهدى لحما - كان قد تقرّب به لبعض الأصنام - لأحد الموحّدين الذي رفضه وأنّبه على ذلك . ونحن لا نستطيع أن نصدق رواية « رودنسون » من عدة جوانب منها : إن المصادر الإسلامية قد أجمعت قاطبة على أن الرسول لم يمارس ديانة قومه وأنه لم يسجد لصنم قط ، وأنه لم يتقرّب لتلك الآلهة المبثوثة في أنحاء مكة بأية وسيلة ، وأنه كان يحتقرها ، ويزهد فيها ، ويراها أصناما جامدة لا تنفع ولا تضر . وأن دعوته قد أسّست منذ بدايتها على الوحدانية المطلقة ، ونبذ الأصنام والأوثان وسائر الآلهة الثانوية الأخرى التي