ساسي سالم الحاج

85

نقد الخطاب الاستشراقي

وهو أمر سندرسه في المبحث القادم - وعلينا الآن أن نناقش المستشرقين في آرائهم وتحليلاتهم وافتراضاتهم بعد أن عرضناها لك تفصيلا تطبيقا للمنهجية العلمية التي سرنا على منوالها في هذا السفر الذي نقدمه بين يديك . سنتعرّض في ردودنا على المستشرقين إلى الحوادث التي أشرنا إليها وسردناها ورتبناها ترتيبا زمنيّا محددا . وأول شبهة نلاحظها إنكار المستشرقين لقصة الملكين اللذين شقّا صدر الرسول عندما كان مسترضعا لدى حليمة السعدية . ويرونها لا تتفق مع العقل والمنطق من جهة كما أنها ضعيفة السند من جهة أخرى . بل إن « موير » كما رأينا أهمل رواية الملكين في ثيابها البيضاء وذكر أنه إن كانت حليمة وزوجها قد نبّها لشيء أصاب الطفل فلعله نوبة عصبية أصابته . ونحن وإن كنا نرى أن هذه الرواية لا تستقيم وما هو معروف عقلا ، وإن الرسول لم يكن بحاجة إلى من يشق بطنه أو صدره ما دام اللّه قد أعدّه لتبليغ رسالته ، وإنه صلّى اللّه عليه وسلم لم يلجأ إلى إثبات رسالته بالوسائل الخارقة للعادة إلا أننا لا نستطيع أن ننكر حصول خوارق الأمور والمعجزات ، والمسائل الخارجة عن مألوف العادة قديما وحديثا . ولكن الذي نريد تأكيده أن معظم المصادر الإسلامية قد أشارت إلى هذه الواقعة تفصيلا . واعتمدت جميعها على إسناد معقول . ولا ندري الحكمة التي أجمعت عليها هذه المصادر لإيراد هذه الواقعة بالشكل المعروف لدينا اللّهم إلّا اقتناع هذه المصادر بأن هذه الحادثة قد حصلت فعلا . ونحن إذا أنكرنا حصول هذه الواقعة بطبيعتها الشاذة فإننا سنلتزم بإنكار جميع الظواهر الأخرى الخارقة للعادة والتي حصلت للرسول إبّان نزول الوحي عليه لأنها هي الأخرى من خوارق الأمور . ونحن لا نلوم المستشرقين على إنكار هذه القصص والحوادث الغريبة لأنهم درسوا السيرة النبوية بمنهاج مادي صرف لا يؤمن بالخوارق والمعجزات . ومن هنا قولنا في مناسبات عديدة بعقم هذه المناهج الغربية في ميدان الدراسات الإسلامية . ويركز المستشرقون على حياة الرسول الشخصية وما لاقاه من كوارث متمثلة في فقدان والده قبل ولادته ، وفي فقدان أمه وهي راجعة من يثرب ، وكيف عاد من تلك الرحلة منتحبا وحيدا ، يشعر بيتم ضاعفه عليه القدر فيزداد وحشة وألما ، وها هو ذا قد رأى بعينيه أمه تذهب كما ذهب أبوه وتدع جسمه الصغير يحمل همّ اليتم كاملا . وكيف أن هذا الشعور الأليم قد تضاعف بوفاة جدّه الذي كان دائم البكاء عنه وهو يتبع نعشه إلى مثواه الأخير .