ساسي سالم الحاج
84
نقد الخطاب الاستشراقي
الذي خوّله سلطة الحكم عليهم ، ففرّ إلى سوريا والتجأ إلى قبيلة الغساسنة ، وحاول التأثير في التجارة القرشية في تلك الأصقاع . إلّا أن قريشا تلافت مهمته التخريبية بتقديم هدايا قيّمة إلى أمراء الغساسنة لإبقاء طرق التجارة مفتوحة أمامها . بل إن هذه التسوية القرشية أدت في النهاية إلى وفاته عندما مات مسموما هناك « 1 » . ويستمر « موير » في سرد السيرة النبوية قبل البعثة بشيء من التفصيل الدقيق الذي يتناول جميع جزئياتها إلى أن يصل إلى كيفية تبني الرسول لابن عمّه « عليّ » بعد الضائقة المالية التي حلّت بوالده « أبي طالب » . وكيف أنه تبنّى « زيد بن حارثة » المنتمي إلى قبيلة « كلب » التي اعتنقت النصرانية . ويؤكد « موير » - شأنه في ذلك شأن بقية أضرابه - أن هذا الطفل يحمل بعض التعاليم والأساطير المسيحية . وافترض « موير » أنه قد ناقش هذه القضايا مع متبنّيه الذي كان يبحث عن الحقيقة في أي اتجاه . وكان من ضمن أقارب خديجة شخص له علم بالمسيحية وقرأ كتبها واعتنق مبادئها ألا وهو « ورقة بن نوفل » الذي تقول عنه المصادر الإسلامية : إنه قد استحكم في النصرانية . واتبع الكتب من أهلها حتى علم علما من أهل الكتاب ، وحتى أدرك فيما طلب من ذلك أنه كائن لهذه الأمة من بني إسماعيل نبي » . وأنه كان يكتب من الإنجيل بالعبراني ما شاء أن يكتب « 2 » . وزعم « موير » أن الرسول قد استقى معلوماته من « زيد بن حارثة ، وورقة بن نوفل ، وكان ذلك رأي من سبق أن أشرنا إليهم من المستشرقين . وقد دحضنا الحجة التي استخدمت ورقة لتأكيد هذه الشبهة ، وسوف نناقش مستقبلا ادعاء المستشرقين بتأثير زيد في الدعوة المحمدية . وأخيرا يفصّل « موير » القول في الحنفاء الذين رفضوا ديانة قريش الوطنية ، وبحثوا عن الحقيقة في أماكن أخرى وديانات أخرى . وربما كان لهؤلاء القوم أثرهم في تفكير محمد فيما يتعلق بالوحدانية . وقد ناقشنا هذا الرأي في مباحث سابقة وأبطلنا حججه ، وسفهنا رأى القائلين به . وهكذا بعد هذا السرد التاريخي يصل « موير » إلى كيفية اعتزال الرسول الناس إلى غار حراء للتحنّث والتعبّد فيه حتى نزل عليه اليقين -
--> ( 1 ) Ibid , op . cit , p . 45 . ( 2 ) Muir , Life of Mahomet , o . 51 واستند موير في هذه الروايات إلى كتاب ابن هشام « سيرة ابن هشام » ، والطبري انظر هامش ص 51 من كتابه « حياة محمد » الجزء الثاني ، المرجع السابق .