ساسي سالم الحاج
73
نقد الخطاب الاستشراقي
أما بالنسبة إلى اليهود فهم على عكس النصارى لأنهم طائفة منظمة كثيرة العدد ، أنشئوا مستعمرات زراعية في أماكن عديدة من الجزيرة العربية ، ويعيشون في مجتمعات مغلقة متماسكة . ولكنهم يعانون من منافسة شديدة في المجتمع المكي المحموم بالتجارة والذي يعج برجال المال والأعمال الذين يستغربون عادات اليهود وتصرفاتهم الغريبة كما يستغربون نفورهم من بعض المآكل المحبوبة لديهم كشحوم أسنمة الإبل . وهكذا يتندّر المجتمع المكي بلحاهم المتهدلة ، وأنوفهم المعقوفة ، وهيئاتهم المميزة ، كما يتندّر بعربيتهم المشوبة بلكنة أرامية أو عبرية غريبة السمع عن آذانهم . ومع ذلك فإن اليهود لا ينفرون من التحدث إلى هؤلاء الوثنيين عن القصص والتعاليم التوراتية المشوبة بالكثير من الخلط والتحريف الناجمين عن التلمود والآداب « المدراشية » . ويبدو أنّ بعضا منهم حاول وضع الوحي وتطوراته في متناول السامعين لهم من العرب وذلك بوصفهم بعض الحوادث بأنها قد حصلت في الجزيرة العربية أو عن طريق تهويد بعض القصص العربية الشعبية « 1 » . لقد اتهموا محمدا بصريح الآيات القرآنية بأنه كان يستمع إلى أناس يتحدثون بلغة أجنبية ، وإن هؤلاء الناس كانوا يروون أساطير الأولين لقوله تعالى : وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّما يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهذا لِسانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ « 2 » ولقوله تعالى : وَقالُوا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَها فَهِيَ تُمْلى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا « 3 » . وبالرغم من إقرار رودنسون بأن القرآن قد أشار إلى هذه الاتهامات التي أوردها على سبيل النفي فإنه لم يناقشها للتثبت من صحتها أو نفيها . ولكنه يؤكد بلا مواربة أن الرسول كان كلّه آذانا صاغية لهذه الروايات والأساطير . وأنه على ضوء هذه الروايات أخذ يكوّن شيئا فشيئا صورة عن العالم وتاريخه . فكان اليهود والنصارى يحدثونه عن « اللّه » الذي ينظر إليه في الجزيرة العربية بأنه محاط بآلهة ثانوية . وهم الذين أخبروه بأن اللّه هو خالق السماوات والأرض ، ومانح الموت والحياة ، وخالق عجائب الطبيعة ، وإليه مرجع الظواهر المدهشة كالرعد والصواعق والأمطار ، وهو الوحيد القادر على
--> ( 1 ) بتصرف . Ibid , op . cit , pp . 85 - 86 . ( 2 ) سورة النحل ، الآية : 102 . ( 3 ) سورة الفرقان ، الآية : 5 .