ساسي سالم الحاج

68

نقد الخطاب الاستشراقي

ذلك أن محمدا يمتلك كل الخصال والخصائص - كما يقولون - ليصبح سعيدا ، ولكنه لم يكن كذلك . فالسعادة لا يتمتع بها أولئك الأشخاص الذين ينظرون إلى ما وراء وجودهم وما هم عليه والذين يرغبون دوما في تحقيق كل الرغبات اللاممكنة . وبذلك فإن شخصية محمد المبكرة المتسمة باليتم والشقاء والحرمان والمقدرة لا تقف أمام تحقيق أية رغبات لا متناهية ، ولا يمكن أن يرضيه شيء أو يهدّئ من تطلعاته ورغباته إلّا نجاح غير عادي خارج طاقة الإنسان العادية . إن محمدا لم يكن راضيا ولعلّ عدم رضاه يعود إلى حرمانه من الأبناء الذكور ، وهذه الخاصية لها حساسيتها لدى العرب والساميين على حدّ سواء فكانوا يصفون الشخص الذي لا وارث له ب « الأبتر » . والدليل على ذلك أن أحد معارضي محمد طلب من قومه الكف عنه لأنه عندما يموت سينقطع ذكره وينتهي أمره لأنه لا وارث له يخلفه فهو أبتر . فنزل القرآن يندد بهذا القول تنديدا شديدا بقوله : إِنَّا أَعْطَيْناكَ الْكَوْثَرَ * فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ * إِنَّ شانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ [ الكوثر ] . يضاف إلى ذلك أن محمدا وقد حرم من وارث ذكر ربما لم يكن راضيا عن حياته الخاصة مع زوجته ، خاصة أنه يرى من حوله أغنياء قريش وهم يتمرغون في الملذات . فالعرف يسمح لم بالتمتع بما « لهم من زوجات إبّان سفرهم » . ولعل تعدد الزوجات لم يكن بهذا الانتشار الذي يقال عنه ولكن الطلاق كان سهلا ومنتشرا . وانتشار الدعارة من الصعب تمييزه عن الزواج المؤقت ، ويمكن للمرء أن يشتري ما يشاء من الإماء الجميلات للاستمتاع بهن . ولكن محمدا ارتبط ارتباطا وثيقا بزوجته ووقف حياته عليها ولوحدها فقط . وربما كان عقد زواجهما قد احتوى على شرط يمنعه من التزوّج عليها لأن خديجة الغنية كانت في موقف يتيح لها إملاء الشروط التي تعنّ لها . ولكن هذا الشخص المعروف عنه مراعاته لأصول وقواعد العدالة كان مرتبطا بأم أولاده برباط وثيق أقوى من أية شروط مكتوبة « 1 » . هناك أسباب أخرى تدعو إلى القلق وعدم الرضى ، منها : طموحه الشرعي الناجم عن ضميره الحي وقيمته الذاتية . فمحمد يعتبر نفسه شخصية مميزة واستثنائية منذ لحظات حياته المبكرة . فهو يجد أناسا محيطين به لا يعيرون اهتماما للقضايا الدينية ، والأخلاقية والثقافية ، وهي قضايا شغلت باله دوما ، وما فتئ يفكر فيها منذ

--> ( 1 ) . Ibid , op . cit , p . 80 - 81 .