ساسي سالم الحاج

66

نقد الخطاب الاستشراقي

ويرى رودنسون أن الرسول قد بقي عزبا أكثر مما كان معمولا به في بيئته ، والسبب في ذلك يعود بكل تأكيد إلى فقر ذات يده . وربما طلب من عمه يد ابنته « أم هانئ » خاصة أن زواج الأقارب كان معروفا ومطبقا وينظر إليه باستحسان في المجتمع البدوي . ولكن طلبه هذا قد رفض لمصلحة منافس آخر له . وعندما أصبحت « أم هانئ » أرملة تمنّت أن يعاود ابن عمها طلب يدها ولكن محمدا لم يكن مستعدّا لذلك ، غير أنه احتفظ معها دوما بعلاقات ودّية حتى إنه قد نام ليلة أسري به إلى السماء في بيتها . غير أن الحظ لم يلبث أن ابتسم له عندما تزوج بخديجة طبقا للروايات المعروفة لدينا . وبعد أن يصف رودنسون زواج محمد بخديجة طبقا للروايات الإسلامية يستنتج أن هذا الزواج قد أنقذ محمدا وفتح له الأبواب الكبيرة لمستقبل زاهر . فلم تعد له هموم مادية تؤرقه ، وأصبح شخصية مرموقة ، وكانت قدرة اللّه وعنايته به معه عندما منّ عليه بذلك طبقا لما ورد في سورة الضحى : ما وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَما قَلى * وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولى * وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضى * أَ لَمْ يَجِدْكَ يَتِيماً فَآوى * وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدى * وَوَجَدَكَ عائِلًا فَأَغْنى [ الضحى ] . ويصف رودنسون محبة الرسول البالغة لزوجته خديجة ، ومعيشته الهنيّة الراضية معها في هدوء واطمئنان . وقد قيل عنها : إنها خير نساء زمانها ، ولا يزال الرسول يذكرها بالخير حتى غارت عائشة منها وقالت له قد أبدلك اللّه خيرا منها فأنكر الرسول عليها ذلك وقال لم يبدلني خيرا منها إلى آخر الحديث . ويعزو رودنسون محبة النبي لزوجته خديجة إلى أسباب نفسية اعتمادا على رأي بعض علماء النفس الذين يرون أن اليتيم المحروم من حنان أمه يتعلق دوما بمحبة شخص أكبر منه سنّا . ولكن هذا التحليل لا ينطبق على رسول اللّه كما سنرى عند الرد على هذه الآراء مجتمعة . لقد ولدت خديجة للنبي أبناءه كافة ، ولكن مصيبته تمثّلت في موت أولاده الذكور في سن مبكرة . فهذا القاسم توفي ولم يتعدّ السنتين من عمره ، وهذا عبد اللّه مات في سن مبكرة جدّا هو الآخر ، وهكذا حرم النبي نعمة الأبناء الذكور وهي مأساة للعربي حتى يوم الناس هذا . ونظرا لحرمانه من الأبناء فقد تبنّى ابن عمّه « عليّا » عندما كان يعاني والده من ضائقة مالية فخفّف عنه حمله . وهذه خديجة أهدت له عبدا يدعى « زيدا » من قبيلة بني كلب المتنصّرة فأعتقه وتبنّاه .