ساسي سالم الحاج

59

نقد الخطاب الاستشراقي

إلى عشيرة أخرى . وطبقا للأعراف المكية فقد أرسلته والدته إلى البادية عند مرضعة بدوية . وعندما بلغ محمد السادسة من عمره توفيت والدته فتولّى رعايته بصورة مباشرة جده الذي لم يلبث بعد سنتين أن قضى هو الآخر نحبه . فتكفّل به عمه أبو طالب بعد وفاة جدّه والذي أصبح الرئيس الجديد لعشيرة هاشم « 1 » . ويقول « وات » : إن مستقبل يتيم في مكة في القرن السادس الميلادي لم يكن بالأمر الهيّن ؛ فطبقا لطريقة حياة البدو القديمة فإنه من المعروف أن رئيس العشيرة أو القبيلة مسؤول عن أفراد عشيرته أو قبيلته . ولكن في مكة حيث الصراع الجنوني على أشده من أجل زيادة الثروة والغنى ، يصبح كل شخص يبحث عن مصالحه الذاتية متناسيا مسئولياته السابقة . فكان الذين تحملوا مسؤولية رعاية محمد عملوا كل ما من شأنه لمنعه من الموت جوعا ، ولكن كان من الصعب عليهم فعل أكثر من ذلك خاصة وأن ثروة بني هاشم قد تناقصت في هذه الفترة . وهكذا فإن اليتيم الذي لا يرعاه أحد ، والذي لم يخص برعاية معينة لم يكن مهيّأ لمستقبل تجاري زاهر . وكانت التجارة هي المستقبل الوحيد المفتوح حقيقة أمامه . وعندما سافر محمد مع عمّه إلى الشام فقد اكتسب بعض الخبرات ولكن نظرا لنقص الرساميل لديه فقد كانت الفرض قليلة أمامه لاستخدام هذه الخبرة التي حصل عليها « 2 » . « لا نعرف شيئا كثيرا عن أحوال مكة إبّان الفترة الأولى من شباب مكة » ، يقول « وات » ، ويرى أن المعلومات التي يمكن الحصول عليها متناثرة ومتضاربة وناقصة ومن الصعوبة بمكان فصل الوقائع التاريخية عن الأساطير . ومع ذلك فإن هذه المعلومات تعطينا لوحة عن مدينة تتطور فيها التجارة ويزداد فيها القوة والنفوذ . فقبل عام 590 للميلاد حصلت واقعتان هامتان ارتبطتا بمحمد من قريب أو بعيد . أولاهما سلسلة من المعارك عرفت تحت اسم « حرب الفجار » وقد حضر محمد مع أعمامه كل أو إحدى هذه المعارك بالرغم مما قيل عن دوره البسيط فيها . وقد نتج عن هذه المعارك « حلف الفضول » وقد حضر محمد شخصيّا هذا الحلف والذي لا يزال يذكره بخير حتى آخر حياته . ويتأسف « وات » على عدم معرفة المؤرخين تفاصيل واسعة عن حلف الفضول الذي يراه قد لعب دورا هامّا في حياة مكة والذي عقد أصلا ضد السياسة والأشخاص

--> ( 1 ) WATT ( M . ) Mahomet , op . cit , p . 10 . ( 2 ) المرجع السابق ، ص 11 .