ساسي سالم الحاج
58
نقد الخطاب الاستشراقي
من بعض المستشرقين الروس ، فإنهم يلقون بظلال من الشك على سيرته في المراحل المتقدمة من حياته . فهذا صاحبنا « وات » يعتمد على الروايات الإسلامية التي تؤكد نشأة الرسول في رعاية جده « عبد المطلب » إلّا أنه يشك في ولادته بعد وفاة أبيه إذ يقول عن ذلك : « ربما ولد بعد وفاة أبيه » « 1 » . ثم يصف أسرة الرسول بأنها من الطبقات الأرستقراطية التي كان من عادتها أن تعهد بأبنائها للمراضع من القبائل البدوية لينشأ أطفالها نشأة صحيحة ، وحدد مرضعته بأنها « حليمة » ، ووصف حياة الرسول الأولى بتوالي المصائب عليه لوفاة والدته وهو في السادسة من عمره ثم وفاة جدّه بعدها بعامين . وأنه تكفل برعايته عمّه أبو طالب ، وأنه شارك في حرب الفجار ، وربما حضر حلف الفضول لأنه عبّر بعد سنوات عن موافقته عليه ، لأن هدف ذلك الحلف الوقوف إلى جانب مبادئ العدل ضد عدوان القبائل القوية الغنية ، وكان هذا الهدف قريبا جدّا في بعض الوجوه من التعاليم القرآنية « 2 » . ويشك « وات » كعادته في الوقائع والحوادث السابقة على بعثة الرسول ويصفها بأنها قابلة للجدل ، وكثير من هذه الوقائع ليست حقيقة بالمعنى الواقعي للمؤرخ ، لأنها تحاول وصف وقائع يمكن نسبتها إلى فترات لاحقة من حياة محمد ، واستدلّ على رأيه بواقعة استرضاع الرسول من قبل حليمة ، ونزول الخير العميم عليها للبركة التي حلّت عليها وعلى دوابها وحيواناتها ، وواقعة شق صدره وهو يرعى حيوانات حليمة رفقة أخوته من الرضاعة . كما أورد واقعة سفر النبي مع عمّه أبي طالب إلى الشام ومرور قافلة قريش على بحيرى الراهب وتنبّئه بأن محمدا سيكون له شأن في قابل الأيّام . وقد سرد « وات » هذه الوقائع طبقا للروايات الإسلامية وشك في حصولها طبقا لإيراد ابن إسحاق لها ، مع أنه قد أقرّ بأن هذه الوقائع يعتبرها المسلمون حقائق لا يرتابون فيها وتكوّن ملحقا مناسبا لحياة نبيّهم « 3 » . ويعود « وات » إلى تأريخ سيرة النبي في كتابه « محمد » قائلا : إن والد الرسول « عبد اللّه » قد توفي قبل ولادته ، وهكذا تعهده بالرعاية والعناية جده « عبد المطّلب » رئيس عشيرة هاشم . وقد قضى بدون شك معظم سنواته الأولى مع والدته التي تنتمي
--> ( 1 ) مونتجمري وات ، محمد في مكة ، المرجع السابق ، ج 1 ، ص 65 . ( 2 ) المرجع السابق ، ص 66 . ( 3 ) المرجع السابق ، ص 66 - 72 بتصرف كبير .