ساسي سالم الحاج

56

نقد الخطاب الاستشراقي

التي أثبتت أن الفرس استولوا على اليمن وطردوا منه الأحباش هذه السنة أي عام 570 ميلادية ، فتكون الحملة الحبشية على مكة قد وقعت بالضرورة قبل هذه السنة بعامين أو ثلاثة أعوام « 1 » . ولكن « وات » يعود في كتابه « محمد في مكة » إلى التشديد بصيغة الجزم على أن محمدا قد ولد عام الفيل حين فشل أبرهة في حملته على الكعبة وكان ذلك نحو 570 ميلادية « 2 » . وكما اختلف المستشرقون في العام الذي ولد فيه النبي اختلف المؤرخون المسلمون في شأنه أيضا ، فأكثرهم أكد ولادته عام الفيل المقابل لسنة 570 م . ويذهب الآخرون وهم الأقلية إلى أنه ولد قبل الفيل بخمس عشرة سنة . ويذهب غير هؤلاء وأولئك إلى أنه ولد بعد عام الفيل بثلاثين سنة أو سبعين سنة « 3 » . ولعلّنا نستطيع بقليل من الدرس والتمحيص دحض ما ذهب إليه « وات » من أن الاكتشافات الأثرية في اليمن أثبتت استيلاء الفرس على اليمن وطردهم للأحباش عام 570 ميلادية ، وبذلك تكون الحملة الحبشية على مكة قد وقعت قبل هذه السنة بعامين أو ثلاثة أعوام لعدة أسباب منها : ما اكتشفه العالم البلجيكي « ريخمانس G . Ryckmans » من نصّ مكتوب على صخرة بالقرب من بئر « مريغان » وقد استنتج منه بعض الباحثين أنه يشير إلى حملة أبرهة على مكة في العام الذي عرف عند الإخباريين ب « عام الفيل » . وهذا النص المنقوش يحمل تاريخ ( 622 ) من التقويم الحميري الموافق لسنة 547 أو 553 للميلاد . وهذه النتيجة تطابق من ذهب إلى القول : إن مولد الرسول كان بعد عام الفيل بثلاث وعشرين سنة أي أن مولده يكون عام 547 ميلادية في حالة ما إذا كان الفرق بين التقويم الحميري والتقويم الميلادي « 115 سنة » . وإذا ما أخذنا برأي « ريخمانس » القائل : إن الفرق بين التقويمين هو « 109 سنة » فيكون عام الفيل هو 552 ميلادية وهو يتطابق مع تاريخ غزو الحبشة لمكة طبقا للنص المشار إليه « 4 » . ومنها : أن الأحباش لم يطردوا من اليمن بعد حملة الفيل بعامين أو ثلاثة أعوام لأنه ملك اليمن بعد أبرهة ابنه « يكسوم » ثم ملك بعد « يكسوم » ابنه « مسروق » الذي دخل الفرس اليمن

--> ( 1 ) WATT ( M . ) Mahomet , op . cit , p . 10 . ( 2 ) مونتجمري وات « محمد في مكة » المرجع السابق ، ج 1 ، ص 64 . ( 3 ) محمد حسين هيكل ، حياة محمد ، المرجع السابق ، ص 108 - 109 . ( 4 ) د . جواد علي ، المفصل ، المرجع السابق ، ج 3 ، ص 500 .