ساسي سالم الحاج

54

نقد الخطاب الاستشراقي

من الناحية الجنسية يصل « موير » إلى نتيجة مفادها أن هذه القبائل تنتمي إلى الدم الإبراهيمي . ثم يتعرض « موير » في صفحات طويلة إلى وصف الجزيرة العربية من الناحية الجغرافية ، ووصف حالتها الاقتصادية وبيان الطرق التجارية التي تمر بها . وخصائص هذا الاقتصاد المبني على التجارة من جهة وعلى بعض الزراعة في بعض الأقاليم الخصبة من جهة أخرى ، ثم يعالج الأديان والمعتقدات السائدة في الجزيرة العربية قبل الإسلام . وهو لا يخرج في هذه المباحث عمّا سطره من تعرّضنا لهم من أضرابه من المستشرقين فنكتفي بما أوردناه آنفا منعا للتكرار . ويسهب « موير » في وصف اليمن من الناحية الجغرافية والتاريخية ، فيعدد القبائل الموجودة به ، ويبين أصلها ، ويتتبع سيرة ملوكها ، ويشير إلى دخول اليهودية إليها ، ثم يفصّل القول في حملة الحبشة عليه وكيفية استيلائها على تلك الأصقاع ، وتجريد حملة الفيل على مكة ، وانتهاء حكمها بعد طردها من قبل الفرس . وكما عالج « موير » بإسهاب شديد أحوال اليمن قبل الإسلام ، عالج بنفس المنهجية مملكة الحيرة وقبيلة الغساسنة وعلاقة هذه القبائل والممالك بالفرس وبيزنطة ، كل ذلك طبقا للمصادر الإسلامية المعروفة ، إلى أن يصل إلى وصف مكة عشية الدعوة الإسلامية . وفي وصفه هذا يصف بناء الكعبة من قبل إبراهيم وابنه إسماعيل بأنه محض أسطورة . وبعد أن يتعرض لقصة إسماعيل وأمه هاجر طبقا للروايات الإسلامية - والتي لا يعتقد صحتها - يعدّ أجداد النبي ابتداء من عدنان ويرفض ما وراء ذلك إلى إسماعيل استنادا إلى رواية الواقدي الذي ذكر أن تسلسل النسب من عدنان إلى إسماعيل كان من وضع اليهود الذين اختلفوا فيه ولو صح ذلك لكان رسول اللّه أعلم الناس به ؛ فالأمر هو الانتهاء إلى معد بن عدنان ثم الإمساك عمّا وراء ذلك إلى إسماعيل بن إبراهيم « 1 » . والذي يهمنا في هذا السياق أن « موير » بدراسته المطولة للجزيرة العربية قبل الإسلام على سائر أوجهها قصد من ورائها بيان تأثير هذه العوامل مجتمعة في أصول الدعوة الإسلامية وتطورها . وقد واصل هذه الدراسة مطبقا فيها منهج السرد التاريخي الخالي من التحليلات والاستنباطات العلمية أو الشخصية إلى أن يصل إلى أجداد الرسول المباشرين ، فيتعرض بالتفصيل لسيرة قصي ، وهاشم ، وعبد المطلب وعلاقته

--> ( 1 ) Ibid , op . cit , p . cxciii .