ساسي سالم الحاج

51

نقد الخطاب الاستشراقي

وانتهى بعد تحليل قصير إلى أن بذور التوحيد ظهرت عند العرب بفعل التأثيرات اليهودية المسيحية . ونحن نرى أن هذا التحليل لا يستقيم وما يرويه لنا الأخباريون وكذلك النصوص القرآنية من أن أهل مكة كانوا على عقيدة التوحيد التي نشرها بينهم إبراهيم ثم ابنه إسماعيل ، وأن إبراهيم هذا لم يكن يهوديّا ولا نصرانيّا ولكنه كان مسلما حنيفا وما كان من المشركين ، وأن ديانة التوحيد هذه قد أصابها التطور طبقا لما أوردناه حتى تحولت عند الغالبية العظمى إلى عبادة الأوثان التي يعتقد العرب أنها تقربهم إلى اللّه زلفى . وبذلك فإن المقصود « باللّه » ليس الإله الرئيس في الكعبة الذي يوجد بجواره آلهة أخرى ثانوية ، ولكنه هو اللّه كما هو معروف طبقا للنظرية الإسلامية في التوحيد ، كما أن وجود العقيدة الإبراهيمية المسلمة أصلا هي التي أثّرت في ظهور التوحيد وفي حركة الحنفاء عشية الدعوة الإسلامية ، ولم تكن راجعة إلى تأثير الديانتين اليهودية والمسيحية . وإن كنّا لا ننكر - كما فصلنا في مباحث سابقة - تأثير هاتين الديانتين في اليمن والمدينة في بعض الحنفاء كورقة بن نوفل ، إلّا أن بذور التوحيد تستمد أصولها الحقيقية من دين إبراهيم وإسماعيل ابنه كما أسلفنا . وعندما يتحدث « وات » عن حالة الجزيرة العربية الدينية عشية الدعوة المحمدية فإنه يضيف إلى التأثيرات اليهودية والمسيحية « حركة النبوّة » السابقة على البعثة المحمدية ضاربا الأمثال بهود وصالح ومسيلمة إذ صحّ عنه أنّه قد أعلن نبوته قبل محمد ، فهو قد اعتبر هذه الحركات الدينية التي تدّعي النبوّة هي عبارة عن الإرهاصات المبدئية التي مهّدت المسرح لظهور النبي العربي محمد . ولكن لو رجعنا إلى القرآن الكريم والذي نعتقد صدق ما ورد فيه من أحكام وقصص وأمثال نراه ينبئنا بوجود أنبياء بشّروا بعقيدة التوحيد في الجزيرة العربية ، وأن أقوامهم قد أصابتهم الكوارث والمهالك نتيجة تكذيبهم لأولئك الأنبياء المبعوثين لهم ، وحدّد لنا القرآن أسماءهم بصريح العبارة « كهود » و « صالح » . ويذكر لنا أهل الأخبار وجود نبي عربي يدعى « حنظلة بن صفوان » وقد بعثه اللّه إلى أهل « الرّس » فقتلوه « 1 » . كما ذكر هؤلاء الأخباريون « شعيب بن ديذمهدم » الذي

--> ( 1 ) الروض الأنف ، ج 1 ، ص 19 ، ذكره جواد علي في كتابه « المفصل » المرجع السابق ، ج 6 ، ص 84 .