ساسي سالم الحاج
50
نقد الخطاب الاستشراقي
آلهتها إلى النهاية ، ورفضت أية مساومة مع الرسول للتقليل من شأنها ، بل إنها فاوضت الرسول وخيّرته بين عدة أمور لتكون لها المكانة اللائقة بها بجوار « اللّه » . وقد كان أصل عبادة الأصنام لدى العرب يرجع إلى أنهم صوّروا آلهتهم تصويرا مادّيا متمثلا في تلك التماثيل المنحوتة على هيئة الإنسان والحيوان باعتبارها رموزا تذكّرهم بالآلهة أو الأشخاص الصالحين ، وبعد مرور الزمان ، واختلاف الحدثان نسي الناس الأصل الذي ترمز إليه هذه الأصنام فعبدوها من دون اللّه . ويخبرنا الأخباريون أن عمرو بن لحي الخزاعي هو الذي أدخل عبادة الأصنام إلى مكة عندما أتى بصنم من أعمال البلقاء بالشام فنصبه في مكة وأمر الناس بعبادته « 1 » . ويروي ابن هشام عن ابن إسحاق رواية أخرى تبين لنا كيفية انتشار عبادة الأصنام بين أهل مكة ، ومفادها أن قريشا عندما خرجت من بلادها والتمست السعة والفسح في البلاد حملوا معهم حجارة من الحرم تعظيما له ، فحيثما نزلوا وضعوها وطافوا بها كطوافهم بالكعبة حتى انتشرت هذه العادة بينهم ، ونسوا ما كانوا عليه ، واستبدلوا بدين إبراهيم وإسماعيل وغيره ، فعبدوا الأوثان ، وبقيت منهم طائفة على عهد إبراهيم يتمسكون بديانته من تعظيم البيت والطواف به ، والحج والعمرة ، والوقوف على عرفة والمزدلفة ، وهدي البدن ، والإهلال بالحج والعمرة مع إدخالهم فيه ما ليس منه ، فيوحّدون اللّه بالتلبية ثم يدخلون معه أصنامهم « 2 » . وقد بقيت عبادة الأوثان قوية ظاهرة في مكة والطائف حتى تمّ القضاء نهائيّا عليها بعد فتح مكة ، ومن هنا تنهار نظرية « وات » الذي أراد أن يبرهن لنا على أن هذه العبادة قد اضمحلّت عند ظهور الإسلام . وكأنه يريد الإنقاص من قيمة هذه الدعوة التي قامت أصلا وأساسا على عقيدة التوحيد ونبذ عبادة الأصنام مهما كان شكلها . وكما حاول « وات » التقليل من شأن عبادة الأوثان عشية الدعوة الإسلامية حاول أيضا البرهنة على أن أهل مكة يعتقدون في اللّه وأنهم يعبدون الأصنام تقرّبا إليه طبقا للنص القرآني المعروف ، ولكنه يرى أن المكيين الجاهليين ربما يستخدمون كلمة اللّه للدلالة على الآلهة الرئيسة في الكعبة كما كانت آلهة الطائف تعرف باسم « اللات » .
--> ( 1 ) ابن هشام ، السيرة النبوية ، الجزء الأول ، الطبعة الثانية ، مطبعة البابي الحلبي ، ص 77 ، 1955 . ( 2 ) المرجع السابق ، ص 78 .