ساسي سالم الحاج

49

نقد الخطاب الاستشراقي

قصة طويلة ليس هنا المقام الملائم لذكرها . ولكننا نستنبط من هذه الوقائع جميعا تكالب القوتين العظميين في الاستيلاء على الجزيرة العربية التي امتنعت دواخلها عليهما . ولعل هذا الصراع السياسي هو السبب الأساسي لهذه الحملة الحبشية أيضا بصرف النظر عن المقاصد الدينية الأخرى . ومن هنا تكمن مصداقية تحليل « وات » للأسباب والدوافع السياسية لهذه الحملة البائسة . ولكن الذي يستغرب فيه الباحث من تحليلات « وات » نتيجته التي وصل إليها والقائلة : إن عبد المطلب قد حاول الاستعانة بالأحباش ضد أعدائه القرشيين كقبائل عبد شمس ونوفل ومخزوم . ذلك أن الروايات والمصادر العربية أجمعت كلها على أنه لما بلغ أبرهة مشارف الكعبة استولت طلائعه على إبل لعبد المطلب بن هاشم . وقد همّت قريش وكنانة وهذيل بمحاربة « أبرهة » ثم عرفوا أنهم لا طاقة لهم به ، فأرسلوا كبيرهم عبد المطلب للتفاوض معه ، وأنه لما قابله سأله ردّ إبله التي استولى عليها جيشه ، فاستغرب أبرهة من ذلك لأنه لم يحدثه عن الرجوع عن مكة والتنكب عن هدم الكعبة إلى غير ذلك من الأخبار المتواترة ، عندئذ تحرزت قريش في الجبال وغادرت مدينتها ناجية بأرواحها تاركة البيت لرب البيت يحميه حتى وقع ما وقع من تفشّي الوباء والمرض في الجيش الحبشي الذي ارتد عنها خائبا مهزوما . وبذلك فإننا لا ندري كيف حاول عبد المطلب الاستعانة بالأحباش ضد منافسيه من أهل قومه . وقد كان هو الآخر قد التحق بالشعاب والجبال بعد أن دعا ربه إنقاذ بيته من المغيرين . ثم إن « وات » لم يدلنا على المصادر التي استعان بها للوصول إلى استنتاجاته هذه وهي نتائج داحضة كما ترى لا أساس واقعيّا أو تاريخيّا يسندها أو يعضدها . عندما تحدث « وات » عن ديانة العرب قبل الإسلام أشار إلى تطورها من الحجارة والأشجار حتى أضيفت عليها فيما بعد صفات مجردة وربما كان ذلك بتأثير أجنبي ، وكان العرب يعتقدون أن لها علاقة بالكائنات السماوية . ووصل بعد استعراضه ذاك إلى نتيجة افترضها في مقدمة حديثه عن هذا الموضوع مفادها أن عبادة الأوثان لم يعد لها تأثير أيام محمد . ونحن نرى أن عبادة الأوثان لدى العرب عشية الدعوة الإسلامية لم تكن بذلك الضعف الذي أشار إليه « وات » . نعم ، إن عبادة الأصنام كانت منتشرة بكثرة بين العرب ، وإنها مرت بمراحل عديدة كما أشار إليها صاحبنا . ولكن عبادة الأوثان استمرت قوية وفاعلة حتى بعد ظهور الإسلام . وقد استماتت قريش في الدفاع عن