ساسي سالم الحاج
48
نقد الخطاب الاستشراقي
ونحن نرى فساد رواية السيوطي من عدة جوانب منها : أن النصارى لا يحجون إلى مكة فكيف يقوم ابن بنت أبرهة وهو نصراني بالحج إليها ويتعرّض لما قيل إنه أصابه من اعتداء ؟ ومنها : إجماع الروايات الإسلامية على أن القائد الحقيقي للحملة الحبشية على مكة كان « أبرهة » وليس غيره . ولعلّ السبب الذي عناه « وات » في أمر هذه الحملة هو سبب سياسي غلّف بستار ديني ، وهو بغية السيطرة على العالم القديم من قبل القوتين العظميين في ذلك الزمان ، وهما فارس وبيزنطة . وربما أرادت بيزنطة بسط نفوذها على الجزيرة العربية بعد أن استولى حليفها النجاشي على اليمن فجردت هذه الحملة لتنفيذ هذا المشروع الاستعماري المتسم بالمنفعة الاقتصادية ، وذلك بغية القضاء على احتكار قريش لتجارة اليمن التي تدر عليهم أرباحا طائلة . وبما أن موقف بيزنطة الحربي كان يتأرجح مدّا وجزرا مع الفرس الذين دخلوا ضدهم في صراع عسكري في الشام والعراق ، فأوعزوا إلى أحلافهم الأحباش لتجريد تلك الحملة المنكوبة للزحف على الجزيرة العربية بغية الاستيلاء عليها أولا والتخلص من الأسعار الباهظة التي كان يفرضها الفرس على السلع المارة من بلادهم إليها خاصة وأن تلك الحروب قد حاصرت بيزنطة التي لم تعد تستقبل من تلك البضائع شيئا بعد أن فرض عليهم الفرس ذلك الحصار الاقتصادي والعسكري . ولعل ما رواه « الطبري » في تفسيره « 1 » هو الذي يوحي للمحللين بالسبب السياسي لهذه الحملة الحبشية على مكة وملخصها أن « أبرهة » توّج « محمد بن خزاعي الذّكواني » على مضر ، وأمره بدعوة الناس إلى الحج إلى « القليس » ، وعندما تناهى خبره وسبب مهمته إلى بني هذيل قاموا باغتياله ، وعندما سمع أبرهة بذلك قرر غزو بني كنانة الذين ينتمي إليهم الهذليّ وهدم البيت . ولعل غضب أبرهة مرجعه إلى قتل من أمّره على بني كنانة الذين انضموا تحت لوائه وكان يبتغي السير في سياسته هذه حتى يبسط نفوذه كاملا على الجزيرة العربية . ومهما اختلفت الأسباب والدوافع التي أدّت إلى حملة الحبشة على مكة فإن نهايتها المفجعة لها معروفة ، وقد عجلت هذه الحملة في القضاء على الأحباش باليمن ذاتها بعد أن انتهزت فارس الفرصة المناسبة وطردتها من جنوب الجزيرة العربية في
--> ( 1 ) الطبري ، تفسير الطبري ، ج 30 ، ص 194 ، طبعة بولاق .