ساسي سالم الحاج

46

نقد الخطاب الاستشراقي

المستشرقين من إنكارهم أصلا وجوده ، واعتبارهم له شخصية خرافية لا وجود لها في أرض الواقع « 1 » . ونحن لا يهمنا في هذا السياق وجود شخصية « قصي » حقيقة أم أنه كان خرافة ولكن الذي يعنينا عدم تعمق « وات » في دراسة هذه الشخصية التي تنسب إليها القبائل العربية السائدة في مكة إبّان الدعوة المحمدية . وهو منهج يغاير الذي نعرفه عن المستشرقين الآخرين الذين لا يسلّمون بسهولة بوجود مثل هذه الأحداث والشخصيات إلّا بعد تمحيص ودراسة عميقين . وعندما تحدث « وات » عن الشؤون الإدارية بمكة عشية الدعوة الإسلامية تحدث عن مجلس زعماء القبائل الذي يتخذ قرارات استشارية ولم يكن له في واقع الأمر سلطات تنفيذية ، وشبههم مثل أعضاء مجلس شيوخ « أثينا » الذين كانوا يجتمعون في المجلس « بركليس » للنظر في الأمور ، وخرج بتلك المقابلة بترجيح كفة « الأثينيين » في الديمقراطية والمبادئ الأخلاقية . إلّا أننا نرى أن هذه النتيجة تحتاج إلى وقفة إيضاحية . فدار الندوة التي يجتمع فيها « الملأ » من الرؤساء وأعيان البلاد للتشاور في شؤون البلاد والبتّ فيها لا يمكن أن تقابل بالأنظمة السياسية الشبيهة بها والمعروفة لدينا قديما وحديثا ، لأنها عبارة عن تجمّع لرؤساء القبائل وساداتها يجتمعون في دار الندوة للتشاور وأخذ الرأي في القضايا العامة التي تهم مكة ، ولكن قراراتها ليست ملزمة ومع ذلك فإن التاريخ ينبئنا أن قرارات « الملأ » كانت تحصل بالإجماع وبتوافق الآراء ، وأن أولئك الناس لا يقطعون رأيا إلّا بعد روية وتدبّر وتفكير ، وبعد مناقشات ومساومات طويلة يراعى فيها دوما جانب المروءة والحلم والمرونة وهي الخصائص الخلقية التي شهد بها المستشرقون للعرب قبل الإسلام . فتكون بذلك قرارات هذا المجلس قابلة للتنفيذ ولا يجوز الخروج عنها بعد الإجماع عليها ، خاصة أن « دار الندوة » لم يكن يدخلها إلّا من عرف عنه بالحلم والسؤدد ، والكياسة والعقل الراجح بل إنه لا يدخلها إلّا من تجاوز الأربعين من عمره باستثناء أبي جهل الذي دخلها وهو ابن الثلاثين لجودة رأيه . وحكيم بن حزام الّذي دخلها وهو ابن خمس عشرة سنة لذات الخصال « 2 » . ومن هنا فإن وصم قرارات « الملأ » بعدم الديمقراطية وخلوها من المبادئ

--> ( 1 ) د . جواد علي ، المفصل ، المرجع السابق ، ج 4 ، ص 58 . ( 2 ) المرجع السابق ، ص 48 .