ساسي سالم الحاج
45
نقد الخطاب الاستشراقي
وقد بقيت خزاعة صاحبة الأمر والنهي بمكة إلى أن انتزعه منها « قصي » لقريش والذي وصفه « وات » بأنه المؤسس الحقيقي لمكة ، وأنه هو الذي ميّز بين قريش البطاح وقريش الظواهر . ولكن الحقائق التاريخية طبقا لما كشفت عنه البعثات الأثرية تؤكد وجود هذه المدينة وعمارتها قبل قصي بكثير ، خاصة أن الكنوز والأسلحة التي وجدها عبد المطلب عند حفره لبئر زمزم تدل على وجود هذه المدينة وازدهارها قبل قصي بمدة طويلة . ولكن نظرا لما نسبت الروايات المتضاربة إلى هذا الشخص من أهمية حالة كونه أول من أظهر « الحجر الأسود » « 1 » ، وأنه أول من حفر بمكة بئرا سماها « العجول » « 2 » وأنه أول من أحدث « الرفادة » وهي إطعام الحجاج في موسم الحج حتى ينقلبوا إلى بلدانهم « 3 » ، وأنه هو الذي أحدث أيضا الحجابة والسقاية واللواء ، فحاز شرف قريش كله « 4 » . وقيل عنه كذلك : إنه أول من أصاب الملك من قريش بعد ولد إسماعيل ، ونسبت إليه أقوال وأفعال وأمثال جعلته في غاية السمو والرقي ، هذه الميزات السامية هي التي حدت بالأخباريين إلى أن يعتبروه المؤسس الحقيقي لمكة ، وقد سايرهم وات في الاستنتاج . ونحن نعلم تناقض هذه الروايات وتضاربها بحيث يلزمنا طرح الكثير منها لاستقاء معلومات صحيحة عن هذه الشخصية التي عدّت من الأساطير وإلّا فكيف يمكننا أن نقبل قول من قال : إنه أصاب الملك من قريش ونحن نعلم أن هذه المنطقة لم تعرف هذا النظام السياسي في تاريخها مطلقا . بل إن الأخبار الصحيحة تنبئنا عن كراهية قريش للنظام السياسي الملكي عندما رفضت تنصيب عثمان بن الحويرث ملكا عليها بمساعدة البيزنطيين ، وتهديده لهم بضرورة فعل ذلك وإلّا تعرّضت تجارتهم للمقاطعة في الشام ، ولكن قريشا لم تأبه لهذا التهديد ولم تلتفت لهذا الوعيد وقطعت عنه مأربه ورفضته ملكا عليها لأنها لم تتعوّد هذا النظام السياسي وإنما تعوّدت إدارة شؤونها بالشورى والإجماع عن طريق أهل الحل والعقد من رؤساء قبائلها . كما أن تسليم « وات » بوجود شخصية « قصي » يتنافى وما ذهب إليه بعض
--> ( 1 ) البلاذري ، أنساب الأشراف ، ج 1 ، ص 51 . ( 2 ) المرجع السابق ، ج 1 ، ص 51 . ( 3 ) ابن كثير ، البداية والنهاية ، ج 2 ، ص 207 وما بعدها . ( 4 ) الأزرقي ، أخبار مكة ، المرجع السابق ، ج 1 ، ص 61 .