ساسي سالم الحاج
41
نقد الخطاب الاستشراقي
ويعقّدون الأمور وتتبرأ منهم قبائلهم وهم من يطلق عليه « الخلعاء » أو الصعاليك حسب الأحوال . ويرجع « وات » أسباب ظهور النزعات الفردية خارج إطار القبيلة إلى المجتمع المكي الذي يتميز بمزاولة التجارة ، وقد تطور هذا الاتجاه حتى أصبح الفرد لا يرتبط بالضرورة مع قبيلته أو عشيرته ، وأبلغ مثال على ذلك موقف أبي لهب من الدعوة الإسلامية ، ومعارضة قبيلة عثمان بن الحويرث لتتويجه ملكا على مكة ، وكذلك اعتناق أصحاب محمد الأوائل لديانته بالرغم من معارضة قبائلهم وعائلاتهم لهم « 1 » . يمتاز العرب قبل الإسلام بالعديد من الخصائص الأخلاقية الحميدة ، فكان جولدزيهر يطلق على المثل الأعلى الأخلاقي لدى العرب : « المروءة » و « الرجولة » . ويصف « نيكلسون » هذه الصفات بالشجاعة في القتال ، والصبر على الشدائد ، والتمسك بالثأر ، وحماية الضعفاء ، وتحدّي الأقوياء ، وقد أملت هذه الخصال ظروف الصحراء القاسية التي تجعل من البدوي رغما عنه يتمتع بهذه الأخلاق إذ لولا ذلك لضعفت القبيلة ولازدادت قسوة الحياة على ما هي عليه ، ولأنها في النهاية تعاون إنساني ضد قوى الطبيعة ، وما الكرم والضيافة إلّا نتاج هذه الظروف التي تمليها حياة الصحراء المجدبة الطاردة . يصف « وات » أخلاقيات العرب السامية الناجمة من قساوة الحياة في الصحراء إلى انصهار الأفعال والمواقف المتخاذلة وذوبانها في أتون الصحراء ولم تبق سوى الأخلاق النقية الصافية التي تقوم على تقليد سام في علاقات البشر ودرجة عالية من الفضائل ، ومن هنا فإن عظمة الإسلام تعتمد اعتمادا كبيرا على صهر هذا العنصر مع بعض النظريات اليهودية والمسيحية « 2 » . وعندما تعرّض « وات » إلى حالة العرب الدينية قبل الإسلام وصفها بالانحطاط ، واشتكى من نقص المصادر والمراجع العلمية التي تعالج هذا الموضوع الحساس ، ولم يجد بدّا من الاعتماد على المصادر الإسلامية ، ووصل إلى نتيجة مفادها أن عبادة الأوثان لم يعد لها تأثير أيام محمد « 3 » . ولكنه تعرّض بشيء من التفصيل إلى ظهور
--> ( 1 ) مونتجمري وات ، محمد في مكة ، المرجع السابق ، ص 46 بتصرف . ( 2 ) المرجع السابق ، ص 51 بتصرف . ( 3 ) المرجع السابق ، ص 52 .