ساسي سالم الحاج
28
نقد الخطاب الاستشراقي
ونفهم من وصف « لامانس » أن حياة العربي القاسية في الصحراء وما يعانيه من شقاء ، ونقص في الماء والغذاء كان سببا رئيسا للفتوحات الإسلامية التي دفعته إلى أقاليم خصبة غنية عوضته عن تلك البيئة الفقيرة القاسية . أما المستشرق الفرنسي « مكسيم رودنسون » فإنه يصف الجزيرة العربية بأنها أرض واسعة ، تبلغ مساحتها ثلثي أوروبا تقريبا . وسكانها قليلون ، ومعظمها صحراء قاحلة ، ويقف نزول الأمطار في بعض المناطق سنين طويلة . تتخللها وديان تسيل بالمياه وقت نزول الأمطار وهي علامة على ما كانت عليه من الخصب في غابر الأزمان . كما تتخلل هذه الصحارى بعض الواحات الخصبة التي تعتمد على المياه الجوفية وتقوم فيها زراعة بعض المحاصيل الزراعية والنخيل . ولكن الطابع الغالب على سكانها هو البداوة المعتمدة على الرعي . فهؤلاء البدو يعتمدون على الجمل في حلّهم وترحالهم ، فالعربي عالة على الجمل كما يقول « شبرنجر » « 1 » . وبما أن المستشرقين قد ركّزوا على الجمل باعتباره العامل الأساسي المساعد لمعيشة البدوي في الصحراء فإنه من المفيد أن نورد بعض المعلومات عن كيفية ظهوره في هذه الأصقاع . يرى بعض العلماء أن الجمل قد أصبح حيوانا مستأنسا للإنسان في الألف الثاني قبل الميلاد « 2 » . ومنهم من رأى أن العربية الشرقية هي المكان الذي أصبح فيه هذا الحيوان أليفا لأنه أصبح معروفا لدى العراقيين القدماء الذين أطلقوا عليه اسم « حمار البحر » ، وقد جاءهم من بادية الشام واستخدموه في القرن الثاني قبل الميلاد « 3 » . والجمل هو الذي استخدمه المسلمون في تلك الفتوحات الواسعة التي امتدت من الصين شرقا إلى فرنسا غربا ، وعبروا به تلك الفيافي والقفار المجدبة حتى وصلوا به إلى تلك الأقاليم الغنيّة ، لتلك الخصال التي يتميز بها في تحمّل العطش والتعب . وليس بعجب بعدئذ أن يقترن البدوي بالجمل الذي هو أداته في المواصلات والغذاء .
--> ( 1 ) RODINSON ( M . ) Mahomet , Edition du Seuil , 1961 , p . 3 ( 2 ) ALBRIGHT , From the stone age to christianity , Baltimore , 1961 , pp : 107 - 120 . ( 3 ) د . جواد علي ، المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام ، الجزء الأول ، دار العلم للملايين ، 1976 ، ص 198 .