ساسي سالم الحاج

231

نقد الخطاب الاستشراقي

السنّة كانت مصدرا أساسيّا من مصادر التشريع في هذا العهد خلافا لما ذهب إليه المستشرقون من إنكارها أصلا في هذه الفترة ، خاصة أنهم قد ركّزوا في بحوثهم على السنّة القولية ، وأهملوا بصورة متعمّدة السنة الفعلية أو التقريرية والتي كانت حافلة بالأحكام التي يمكن اعتبارها من المصادر التشريعية وساهمت في تطور الفقه والدفع به خطوات كبيرة إلى الأمام . ذكرنا آنفا أن هناك مصدرا آخر للتشريع في هذا العهد أطلق عليه اجتهاد الرسول والصحابة . وحاولنا بيان التفرقة بين السنّة بأنواعها وبين اجتهاد الرسول الشخصي في القضايا التي يستفتى فيها أو يسأل عنها . ونودّ الإشارة منذ البداية إلى اختلاف العلماء حول هذا المصدر التشريعي فمنهم من جوّزه ومنهم من رفضه . ولكن جمهور الفقهاء والمحدثين والأصوليين قالوا بجواز اجتهاد الرسول من غير تقييد بانتظار الوحي . وقد استند هذا الفريق إلى عدة حوادث وأمثلة اجتهد فيها الرسول برأيه ، وقد تناولت المسائل الحربية والفقهية ، وأنه قد أصاب في اجتهاده وأخطأ أيضا . ومن أهم الوقائع التي يستشهد بها في هذا الصدد نزوله بالجيش في معركة بدر في موقع اقترح عليه أحد الصحابة - وهو الحباب بن المنذر - تغييره فقبل اقتراحه . ومنها : قضية أسرى بدر التي مال فيها الرسول إلى رأي أبي بكر بدلا من رأي عمر ، وتدخّل القرآن في هذا الرأي وصوّب رأي عمر الذي يرى قتل الأسرى استئصالا لشأفة الكفر . ومنها : قبول الرسول اعتذار من تخلّف في غزوة تبوك فنزل عليه الوحي يعاتبه على عذره إياهم . أما اجتهاد الرسول في الأحكام الفقهية العملية فيستشهد العلماء بعدة وقائع منها : قول الرسول في مكة : « لا يختلى خلاها ولا يعضد شجرها » فقال العبّاس : إلّا الإذخر يا رسول اللّه ، فقال عليه السلام « إلا الإذخر » « 1 » . ومنها : إحرام النبي بالحجّ والعمرة معا عام الحديبيّة ، وساق الهدي معه ، ولمّا رأى المشقة على أصحابه في قران الحج بالعمرة قال : « لو استقبلت من أمري ما استدبرت ما سقت الهدي » « 2 » . ومنها : قضية خولة بنت ثعلبة وظهار زوجها بها ، واستفتاؤها الرسول في مشروعية هذا الظهار ، وجوابه عليها بتحريمها عليه ، ومجادلتها إياه بتلك العبارات الإنسانية المؤثرة ، حتى

--> ( 1 ) الشوكاني ، نيل الأوطار ، ج 5 ، ص 26 ، 27 . ( 2 ) المرجع السابق ، ج 4 ، ص 328 .