ساسي سالم الحاج
225
نقد الخطاب الاستشراقي
ومما يجدر ذكره في هذا الصدد أن فكرة التدرّج في التشريع اشتقّ منها حكمة إقرار « النسخ في التشريع » والذي اقتضاه اشتمال التشريع على نسخ بعض الأحكام بسبب ملاءمتها مصلحة الأمة وقت نسخها ، وإن كانت ملائمة بمصلحتها وقت تشريعها ، كنسخ عقوبة الزنا من الحبس في البيوت إلى الجلد والرجم حسب الأحوال ، وكعدّة المتوفى عنها زوجها بحيث كانت في بداية أمرها عاما كاملا ثم نسخت مدة العام بأربعة أشهر وعشرة أيام ، وكالوصية للوالدين والأقربين فقد كانت الوصية واجبة لهم ثم نسخت هذه الوصية بآيات المواريث . وكتحويل القبلة إلى الكعبة بعد أن كان المسلمون يتوجّهون في صلاتهم نحو بيت المقدس . وكزيارة القبور التي كانت محرّمة في أول الإسلام خوفا من عبادة أصحاب هذه القبور أو تقديسها ، ولمّا تمكّن الإيمان في قلوب المسلمين أباح لهم ذلك الانتفاء سبب تحريمها . ومن العوامل التي ساعدت على بناء نظام فقهي متكامل في عهد الرسول الأخذ بقاعدة التيسير والتخفيف عن المسلمين ، بحيث لم يشرّع اللّه أمرا إلّا وقد يسرّ فيه على العاجزين والضعفاء ، كإسقاط الصوم عن المرضى والحوامل وكبار السن ، وكالصلاة على أي وجه وبالنسبة إلى المريض والمقعد ، وكالتيمم عند عدم وجود الماء أو عند خوف المرض . وكإنفاق المرء على بيته طبقا لقدراته المالية . ومن المعروف في التراث الإسلامي أن الرسول ما خيّر بين أمرين إلّا اختار أيسرهما ما لم يكن إثما . ومن العوامل الأخرى التي هيّأت للفقه الإسلامي مكانته السامية في هذه المرحلة استناده إلى تحقيق المصالح واطّراح المفاسد بحيث إن كل ما شرّعه اللّه من أحكام كان الغرض منها تحقيق المصالح ودرء المفاسد سواء أكانت هذه المصالح فردية أو جماعية ، علما بأنه إذا تعارضت مصلحة الفرد مع مصلحة الجماعة ، قدمت مصلحة الجماعة على مصلحة الفرد . فالعبادات مثلا شرّعت لتهذيب النفوس وتقويم الأخلاق ، وتحسين التعامل بين الناس ، وفعل الخير والابتعاد عن الشر . والمعاملات شرّعت لتنظيم العلاقة بين الأفراد ليسود الأمن والطمأنينة بينهم . والمصالح الخمسة شرّعت لحفظ النفس والعرض والمال والعقل وغيرها ، ومن هنا كان البنيان الفقهي الإسلامي منذ بدايته راسخا ، منسجما مع الفطرة ، محقّقا للمصالح الضرورية والحاجية والتحسينية لبني الإنسان . وإذا كانت هذه العوامل مجتمعة ساعدت على تكوين وتشكيل الفقه الإسلامي فإن عامل العدل بين الناس من أهم الأسس التي ارتكز عليها الفقه الإسلامي في هذه