ساسي سالم الحاج

215

نقد الخطاب الاستشراقي

القرآن الكريم ، يعود أساسه إلى ذلك التنوّع بين وظيفة النبي « عليه السلام » الدينية ووظيفته السياسية والتشريعية ، ويرى أن هاتين الوظيفتين السياسية والتشريعية قد تشتركان في تناول الفعل أو الترك بالحكم به ، ولكن الفرق يظهر جليّا بينهما في طبيعة الحكم الذي يقرّره الرسول ، فهو حين تكون قراراته ذات صبغة سياسية تشريعية ، فإن أحكامه تتمثل في جزاءات عملية تطبقها أجهزة الدولة ، على حين تكون أحكامه في كون الفعل أو الترك طاعة أو معصية يكون جزاؤها الثواب والعقاب إذا أصدرها بصفته الدينية « 1 » . ويذهب « كولسون » إلى القول : إن غلبة الاتجاهات الخلقية على التشريعات القرآنية ، أدّت إلى أن الآيات التشريعية فيه ليست كثيرة من حيث العدد ، إذ لا تتعدّى ستمائة آية ، أكثرها يتعلّق بتحديد أحكام الشعائر والفرائض الدينية ، بحيث لا تتعدّى الآيات التي تعنى بالموضوعات القانونية ثمانين آية « 2 » . وقابل « كولسون » هذا العدد القليل من الآيات التي تتناول المسائل التشريعية بما كان عليه قانون الألواح الاثني عشر الروماني ، معلّلا أن هذا هو طبيعة القوانين التي تحكم المجتمعات في بداية أمرها ، فهي غالبا ما تكون في هذه المرحلة المبكرة قواعد قليلة وبسيطة وموجزة . ومع ذلك فهو يفرق بين القرآن الكريم وقانون الألواح الاثني عشر من حيث إن القرآن لم يتتبّع - ولو على نحو مبدئي - العناصر الأساسية لأية علاقة قانونية بغية استقصائها ، لأن التشريعات الواردة في القرآن في غاية من التنوّع بحيث شملت من بيان لباس النساء إلى كيفية تقسيم غنائم الحرب ، إلى تحريم لحم الخنزير ، إلى عقوبة الجلد المطبقة على الزناة ، ويظهر من هذا التنوّع التشريعي : أنه يعالج حلولا خاصة لمشاكل وقضايا معيّنة أكثر من كونها تذهب إلى تقصّي الموضوع الذي تتناوله على نحو عام وشامل « 3 » . ويعزو « كولسون » هذا التنوّع التشريعي الذي تحفل به الآيات القرآنية إلى الظروف التي نزل فيها القرآن . ويرى أن جمع القرآن في مصحف واحد بعد وفاة الرسول يعدّ نوعا من التنظيم الذي قامت به الدولة لما كان الرسول قد تلاه وبلّغه للمسلمين على دفعات متتالية ، وفي فترات مختلفة من حياته خاصة في الفترة التالية

--> ( 1 ) Ibid , op . cit , p . 12 . ( 2 ) Ibid , op . cit , p . 12 . ( 3 ) Ibid , op . cit , p . 13 .