ساسي سالم الحاج

211

نقد الخطاب الاستشراقي

الحقيقة ، وإلى أن يعترف أن ينسخ بأمر اللّه ما سبق أن أوحاه اللّه إليه « 1 » . ونحن ، وإن كنّا سنرد على مجمل هذه الآراء تفصيلا ، فإننا سنستمر في عرض أفكار هؤلاء القوم حول تطور التشريع في العهد النبوي حتى نستكمل الموضوع من جميع جوانبه . وهكذا فإن « جولدزيهر » - وهو يؤرّخ لتطور الشريعة الإسلامية في هذه الفترة - يرى أن الرسول وأصحابه قد اهتمّوا بالأمور الضرورية المباشرة ، وهو يصدّق الرواية التي ذكرت أن النبي كان قد وضع تعريفا للضريبة أو الزكاة ، إلّا أن الحالة في أيامه دعت إلى أن يخطو بهذه الزكاة في حالتها البسيطة كصدقة شعبية إلى ضريبة حكومية مفروضة ولها قواعد ثابتة « 2 » . وهو قد وقف في الحديث عن هذه المرحلة من تطور التشريع الإسلامي إلى هذا الحدّ ولكنه أفاض في تحليل تطوّره في العهود اللاحقة كما سنبيّنه في المباحث المقبلة . ونحن - وإن استعرضنا عليك آراء « شاخت » حول تطور التشريع في عهد الرسول طبقا لكتابه « مدخل إلى القانون الإسلامي » ، نعود الآن إلى كتابه الأصيل حول هذا الموضوع والموسوم ب « أصول الشريعة المحمدية » لنرى رأيه واستنتاجاته حول هذه الفترة التي نؤرخ لها . تحدث « شاخت » مبدئيّا عن دور القرآن في تكوين الشريعة الإسلامية في معرض كلامه عن الإمام الشافعي الذي ذكر في كتابه « الرسالة » أن السنّة مفسرة للقرآن ، وأنها لا تناقض القرآن بل إنها لا تتناقض وتأويله « 3 » . ثم تعرض في مبحث آخر لدور القرآن في تكوين الشريعة الإسلامية عندما اقتبس من آراء أبي يوسف القاضي باعتباره ممثلا للمدرسة العراقية ، ومفادها طرح الأحاديث المناقضة للقرآن والأخذ بتلك التي تتفق وأحكامه ، لأن تلك الأحاديث المخالفة له لا يمكن أن تكون صادرة عن الرسول حتى ولو نسبت إليه « 4 » . ثم تطرّق « شاخت » في فصل آخر من كتابه إلى الحجج الرافضة للسنّة كمصدر من مصادر الفقه الإسلامي ، ليس فقط من أولئك المتشدّدين من الفلاسفة والمشككين

--> ( 1 ) جولدزيهر : المرجع السابق ، ص 33 . ( 2 ) جولدزيهر : المرجع السابق ، ص 34 . ( 3 ) Schacht , Origins , op . cit , p . 15 . ( 4 ) Ibid , op . cit , p . 28 .