ساسي سالم الحاج

205

نقد الخطاب الاستشراقي

المبحث الأول المستشرقون وتطوّر الفقه الإسلامي إن جميع القوانين والقواعد المنظمة للمجتمعات البشرية لا تأتي طفرة واحدة ، ولا تنظّم هذه المجتمعات بقواعد قانونية جامدة ولكنها تخضع لسنة التطور شأنها في ذلك شأن بقية المخلوقات الأخرى والكائنات الحيّة . فالقوانين عبارة عن كائنات حيّة قابلة للتطور باعتبارها مرآة عاكسة للمجتمع الذي تنظم أحكامه ، وتسيّر أموره ، وتنظم العلاقة بين أفراده كما تنظم العلاقة بين هؤلاء الأفراد ومن يتولّون تسيير أمورهم . وهذا التطور الذي شاب كل شيء في الحياة الدنيا لا يخرج عن طور الولادة ثم الشباب ثم الكهولة فالشيخوخة فالفناء . ولم يكن الفقه الإسلامي بمنجاة عن قانون التطور هذا إلّا فيما يتعلق بالفناء ، فإنه ليس قابلا لهذه السنّة ما دامت في الدنيا مجتمعات متباينة ، ومصالح متشابكة مختلفة ، لأنه قابل للتطور الحتمي طبقا لتطور المجتمعات الذي ينظم شؤونها في جميع مناحي حياتها وإن كان قد تطوّر في مراحله الأولى طبقا لتطوّر المجتمع الإسلامي الذي ابتدأ طفلا صغيرا ثم شابّا يافعا ثم كهلا رزينا ، ولا يزال الفقه صالحا لتنظيم هذه الأمور الدينية والدنيوية ، بما يشمل من أحكام وقواعد كليّة صالحة للتطبيق في كل زمان ومكان . ولا يقتصر تطوّر الفقه الإسلامي على المستجدات والوقائع التي ينظّمها طبقا للظروف التي يوجد فيها ، ولكنه يتطور طبقا للفوارق والمميزات التي تصطبغ بها ثقافة وحصافة ودرجة اجتهاد كل فقيه ومجتهد وذلك طبقا لظروف وأحوال البيئات التي يعيشون فيها ، ويتلمّسون الحلول للمشاكل التي تواجهها ، وهذه المشاكل كما نعلم تختلف من مكان إلى آخر ، ومن بيئة إلى أخرى ، وباختلافها تختلف كذلك الحلول المرسومة لها . وقد دأب علماء المسلمين إلى تقسيم الفقه الإسلامي من حيث تطوره إلى أدوار عدة كتطوره في عهد الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم ، وتطوره في عهد الخلفاء الراشدين ، وتطوره في عهد صغار الصحابة ، وتطوره في عهد الأئمة المجتهدين ، وأخيرا وصوله إلى عهد التقليد ثم بيان خصائصه في عصرنا الحاضر .