ساسي سالم الحاج
203
نقد الخطاب الاستشراقي
المتعلقة بحق العبد ، وتلك التي يجتمع فيها الحقان ولكن حق اللّه غالب فيها ، وأخيرا تلك الأحكام التي يجتمع فيها الحقّان إلّا أن حق العبد غالب فيها . وكما فصّل المسلمون في تعريف الفقه لغة واصطلاحا ، وقسموه باعتباره الأحكام الشرعية العملية مطلقا ، فقد بحثوا عن مصادره ، والمناهل التي يستمد منها عناصره ومكوّناته لأن لكل قانون مصادر سواء أكانت سماوية أو وضعية . وقد اتفق العلماء على أن مصادر الفقه الإسلامي هي الكتاب ، والسنّة ، والإجماع ، والقياس ، والاستحسان ، والاستصلاح ، وسد الذرائع ، والعرف ، وشرع من قبلنا ، وقول الصحابي ، والاستصحاب ، والإباحة الأصلية ، إلّا أنهم مختلفون حولها ، ولكنهم متفقون على أن أقوى هذه المصادر مطلقا هي القرآن الكريم والسنّة المتواترة ، واختلفوا في أنواع السّنة الأخرى من حيث حجيتها ، كما اختلفوا حول الإجماع والقياس وبقية المصادر العقلية والنقلية الأخرى . ولكن الرأي الغالب يذهب إلى تقسيم هذه المصادر إلى أصلية وهي القرآن ، والسّنة ، وإلى مصادر فرعية وهي تشمل بقية المصادر الأخرى العقلية والنقلية . وإذا كان الفقه يشتمل على هذا البناء التنظيمي المتسق والمنسجم والمتناغم فإنه يدل على ما بذله علماء المسلمين من عناية به ، ودرس لأحكامه ، وتقرير قواعد محددة صارمة لمصادره وموضوعاته ، بحيث كان هذا البناء شامخا لا تساميه قوانين أخرى مهما بلغت شأوا في التقدم والرقي . وقد كان ذلك مثار اهتمام المستشرقين الذين تعجّبوا من حبك نصوصه ، وتنظيم قواعده ، وحسن اتساقه ، ومنطقية تسلسله ، فأعملوا فيه معاول الهدم والشك وافترضوا - تعسفا - أن هذا البناء الشامخ لا يستند إلى أصالة عربية إسلامية ولكنه مستند إلى القوانين الأخرى السابقة له خاصة القانون الروماني . وإذا كان الفقه الإسلامي يشتمل على سائر الأحكام الشرعية العملية المستفادة من أدلّتها التفصيلية وذلك طبقا لتطوره الزماني والمكاني ، فإن المستشرقين قد شكّكوا في صلاحيته لمسايرة الحياة المتطورة ، وحكموا عليه بالجمود على مسايرة ركب الحياة ومجاراة ما تتطلّبه الحياة الحديثة التي جدّت فيها المعاملات التي لا نظير لها إبّان انطلاقة الدعوة الإسلامية ، فهم بذلك حكموا عليه بالجمود وعدم الصلاحية لمواجهة المشاكل المستجدة . وإذا كان الفقه الإسلامي قد اجتهد فيه الأئمة والفقهاء ، وقد بذلوا فيه جهودهم