ساسي سالم الحاج

193

نقد الخطاب الاستشراقي

وقد أكد الطبري في تاريخه أن بني قينقاع كانوا أول يهود نقضوا ما بينهم وبين رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وحاربوا فيما بين بدر وأحد « 1 » . وهكذا فإن سبب محاربتهم وإجلائهم عن المدينة لم يكن عائدا إلى واقعة المرأة التي هتك عرضها لديهم . ولكن لأنهم نقضوا عهدهم وحاربوا الرسول فردّ عليهم بمثل ذلك . وليست واقعة المرأة إلا القشّة التي قصمت ظهر البعير . ولم تكن مختلفة كتبرير واه لطردهم كما قال المستشرقون . وقد كانوا يستحقون مصيرا أسوأ من الطرد لو لم يتدخّل ابن أبي لمصلحتهم حتى شفع لهم بإلحاحه عند الرسول فأنقذ أرواحهم من الموت الذي يستحقونه . ولم تحسم معركة بني قينقاع الموقف مع اليهود ، فقد بقي في المدينة أعداد كبيرة منهم ، ولا يزال الطرفان يتربّصان ببعضهما الدوائر . وعندما حصلت معركة أحد ونتائجها السيّئة على المسلمين فرح اليهود بها فرحا شديدا ، واعتقدوا أن بمكنتهم مطاولتهم ومقارعتهم بالسنان بعد أن أظهروا ضعفا عسكريّا في معركة أحد . وأخذت السحب تتجمع قاتمة في العلاقة المشوبة بالحذر والتربّص بين الفريقين . حتى حصلت واقعة ذهاب الرسول رفقة أصحابه إلى بين النضير للاستعانة في فدية قتيلين من بني عامر قتلهما عمرو بن أمية الضمري . فلاحظ الرسول اختلاءهم ببعضهم ، وإمهالهم له للرد على طلبه ، وكانوا يدبّرون مكيدة للإيقاع به ، والتخلّص نهائيّا من شخصه ، وانتدبوا عمرو بن جحاش بن كعب ليعلو البيت الذي يستند الرسول إلى جداره ليلقي عليه صخرة فيستريحوا منه . وعندما علم النبي بذلك غادر مكانه مسرعا ، وأبلغ أصحابه بمؤامرة اليهود ضده وبعث إليهم طالبا منهم الخروج من بلاده لأنهم همّوا بالغدر به وأجّلهم عشرة أيام وحاصرهم ليالي طويلة حتى نزلوا على حكمه وغادروا المدينة غير مأسوف عليهم « 2 » . وهكذا فإن الرسول لم يكن متجنيا على بني النضير ، ولم يتّخذ قراره متعجلا ، ولم يكن ردة فعل آنية ، ولكنه نتيجة معاملة سيّئة طويلة مريرة . ولم يتخذ إجراءات قاسية ضدهم لأنه أمهلهم ، وبعث لهم سفيرا من أصحابه للانسحاب والجلاء من بلده

--> ( 1 ) الطبري ، المرجع السابق ، ج 3 ، ص 1360 . ( 2 ) أ - النويري ، نهاية الأرب ، المرجع السابق ، ج 17 ، ص 137 - 140 . ب - الطبري ، تاريخ الطبري ، المرجع السابق ، ج 3 ، ص 1448 - 1452 والأسلوب من عندنا .