ساسي سالم الحاج
19
نقد الخطاب الاستشراقي
على إبلاغها مهما كلفه ذلك من مشاق « 1 » . ونحن لو قوّمنا وحلّلنا آراء هؤلاء المستشرقين عن نبيّنا العربي لوجدنا أن الثلاثة الأوائل . جولدزيهر ، وهرجرونيه وبيكر ، قد اتفقوا على أن الرسول قد أتى بدين عالمي حتى وإن لم يعلن عن ذلك صراحة حالة كونه يحدّد دعوته للعرب دون سواهم ، ولكن القرآن قد أوضح المفهوم الدقيق لرسالة الإسلام العالمية . فتبلورت عالمية الإسلام بوضوح بعد موت الرسول ، واتحاد القبائل العربية المتفرقة التي وجهت طاقاتها العسكرية للأقطار المجاورة لها ، وهكذا اتخذت الدعوة المحمدية صبغتها العالمية . وبالرغم من موت الرسول المفاجئ ، وبين ذهول أصحابه الذين لم يتوقعوا اختفاءه بهذه السرعة ودينهم ومجتمعهم لا يزال في طور الإنشاء والتكوين ، فقد لعق هؤلاء الناس جراحهم المعنوية ، وشمّروا عن ساعد الجد لنشر الدعوة التي أتى بها نبيّهم وقد نجحوا في ذلك عندما ترسّموا خطاه ، وطبقوا تعاليم القرآن الموحى بها إليه واتبعوا سنته . ويرى هؤلاء المستشرقون أن وفاة الرسول قد قادت إلى فصل الدين عن الدولة ، وهو رأي تعسفي لا يخضع للحقيقة العلمية لأن دراسة الإسلام وفهمه الفهم الصحيح لا يتمّان إلّا من خلال جمعه لهاتين الحقيقتين : الدين والدولة في آن واحد . ولعلهم قصدوا من قولهم ذلك أن دراسة الإسلام وفهم الدعوة المحمدية لا يتم إلّا بدراسة العناصر الدينية التي جاء بها من جهة ، ودراسة تطور الإسلام وفهم مناحيه السياسية والاقتصادية والاجتماعية من جهة أخرى . أما بالنسبة إلى شخصية الرسول فإن بيكر يعتبره غريبا عن المجتمع العربي الذي تسود فيه الوثنية . فهو لم تربطه به علاقة وطيدة قبل بعثته ، بل إن جميع الظواهر تنبئ عن اشمئزازه منها ومن عاداتها وأصنامها وتصرفاتها . ويرى هذا المستشرق أن آثار الديانتين اليهودية والمسيحية كانت ظاهرة في أفقه ولكنها مخالفة لجوهر الوثنية العربية ومن هنا كان حكمه الجائر على الإسلام بأنه قد تطور خارج الجزيرة العربية « 2 » . أما
--> ( 1 ) MASSIGNON ; Les Trois prieres d'abraham , 1935 , pp : 24 - 41 . ( 2 ) BECKER , Islam studient , op . cit , p . 339 .