ساسي سالم الحاج

162

نقد الخطاب الاستشراقي

الصّراع ، فتصارعا فبطش به الرسول ثم عاد فصرعه للمرة الثانية ، ثم عاد فصرعه للمرة الثالثة « 1 » . وهذه القصة تنبئك عن شجاعة الرسول من جهة وعن شدة بطشه وقوته الجسدية من جهة أخرى . وهذا الملأ من قريش يأتمرون به ذات يوم وهم يعدّدون تصرفاته تجاههم كتسفيه أحلامهم ، وشتم آبائهم ، والعيب في دينهم ، وسبب آلهتهم ، وتفريق جماعتهم حتى خرج عليهم رسول اللّه وهم بالحجر وذهب حتى استلم الركن ثم مرّ بهم طائفا بالبيت فلما مرّ بهم غمزوه ببعض القول ، فمضى ، فلما مرّ بهم الثانية غمزوه مثلها ، ثم مضى ثم مرّ بهم الثالثة فغمزوه بمثلها فوقف فقال « أتسمعون يا معشر قريش أما والذي نفس محمد بيده لقد جئتكم بالذبح » فأخذت القوم كلمته حتى ما منهم رجل إلّا كأنما على رأسه طائر حتى ترضّاه القوم « 2 » . شخص يتصدّى لقومه الجبابرة بهذه الطريقة الحاسمة ، ويتوعّدهم الذبح ولا يتهرّب منهم ، أو يتملقهم أو يترضاهم ، أيوصف بعدئذ بالجبن وعدم الشجاعة ؟ . وهؤلاء قومه يأتمرون به ليقتلوه عندما علموا أنه يستعد للهجرة إلى المدينة . ويعلم الرسول بمؤامرتهم وباجتماع الفتيان من مختلف قبائل قريش ليضربوه ضربة رجل واحد . فيتحداهم ويتخذ من الوسائل الكفيلة بنجاته منهم ، ولا يبالي بتجمعاتهم ، ويذهب إلى سبيله المرسوم له . أمثل هذا الشخص يوصف بعدم الشجاعة الشخصية ؟ . وهذا الرسول وقد وصل آمنا إلى دار هجرته ، ويتهيأ لمناجزة قريش التي أخرجته وأصحابه من ديارهم . فيتصدّى إلى قوافلهم التجارية ، ويناجزهم الحرب والقتال . ويقود طائفة يسيرة من أصحابه إلى بدر لمواجهة المشركين . وهذا عليّ بن أبي طالب يقول في هذا الصدد : « إنّا كنّا إذا حمي البأس ، واحمرّت الحدق ، اتقينا برسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، فما يكون أحد أقرب إلى العدو منه ، وقد رأيتني يوم بدر ، ونحن نلوذ بالنبيّ صلّى اللّه عليه وسلم ، وهو أقربنا إلى العدو ، وكان أشد الناس يومئذ بأسا » « 3 » . وهذه قريش تهاجم المدينة في حملة قوية للثأر من قتلاها يوم بدر . ويلتحم الرسول معها في غزوة أحد . ويصرّ المشركون على نيل ثأرهم ، ويهزمهم المسلمون

--> ( 1 ) ابن هشام ، سيرة ابن هشام ، الجزء الأول ، المرجع السابق ، ص 391 . ( 2 ) الطبري ، تاريخ الطبري ، المرجع السابق ، الجزء الثاني ، ص 1186 . ( 3 ) النويري ، نهاية الأرب ، المرجع السابق ، الجزء 18 ، ص 255 .