ساسي سالم الحاج

160

نقد الخطاب الاستشراقي

في دحضها من أن العرب لم يرد في نظمها ، ولا في خطبها ، ولا نقل عن أحد بطريق صحيح ، أنها وصفت آلهتها بالغرانيق ، وليس من معاني الكلمة شيء يلائم صفة الآلهة والأصنام حتى يطلق عليها في القرآن « 1 » . ثم إن تعدّد روايات هذه القصة يقطع بوضعها وتهافتها فقد رويت على أنها : « تلك الغرانيق العلى وإن شفاعتهن لترتجى » . ورواها بعضهم « الغرانقة العلا إن شفاعتهم ترتجى » . ورواها آخرون : « إن شفاعتهن ترتجى » دون ذكر الغرانقة والغرانيق . وفي رواية أخرى : « وإنها لهي الغرانيق العلا » . وفي رواية أخرى : « وإنهن لهن الغرانيق العلا وإن شفاعتهن لترتجى » . وقد وردت في بعض كتب الحديث روايات أخرى غير التي ذكرت ، وهذا التعدّد في الروايات يدل على أن الحديث موضوع ، وأنه لمن وضع الزنادقة كما يقول ابن إسحاق ، وإن الغرض منه التشكيك في صدق تبليغ محمد رسالات ربه « 2 » . هذه هي قصة الآيات الشيطانية التي حاول المستشرقون استغلالها لإثبات بشرية القرآن الكريم ، وإنكار ألوهية مصدره ، والبرهنة على الاختلاط الحاصل فيه ، والتدليل على أن معضلة النسخ ما هي إلّا وسيلة يراجع بها الرسول بعض الأحكام التي لا تتماشى ومقتضيات الظروف والأحوال التي يشرع لها ويعالجها . كما يرون أن هذه القصة تعكس التسويات المتعدّدة التي حاولت قريش إبرامها مع الرسول لإيجاد أرضية بينهما بقصد نشر الوحدة بين الجماعة القرشية ، والمحافظة على بعض السلطة المعنوية لآلهتهم التي حاولوا منحها قدرا من الهيبة والقوة لإشراكها في بعض قدرات اللّه وسلطانه كالشفاعة مثلا . ورأيت كيف أن هذه القصة لا تستند إلى أسس منطقية أو علمية صحيحة وقد تصدى لها القدماء بالنقد والتمحيص من حيث سندها ومتنها ، وأثبتوا بما لا مجال للشك فيها استحالة حصولها . ومع ذلك تجد بعض أولئك الذين في قلوبهم مرض يستغلونها إلى يوم الناس هذا إرجافا في الإسلام ، وإلصاقا للعيب به ، ومحاولة

--> ( 1 ) الشيخ محمد عبده ، تفسير المنار ، ج 4 ، ص 99 . ومن المعروف أن تفسير المنار من تأليف الشيخ رشيد رضا . ولكنّه نسبه إلى الشيخ الإمام الذي فسر أجزاء منه ، ثم واصل الشيخ رضا السير فيه إلى أن وصل إلى ما وصل إليه . ( 2 ) محمد حسين هيكل ، حياة محمد ، المرجع السابق ، ص 165 .