ساسي سالم الحاج

16

نقد الخطاب الاستشراقي

مسلما حنيفا وما كان من المشركين . كما أن موسى وعيسى قد بعثا بعده وأن أتباعهما زوّروا الديانة الإسلامية التي أتى بها إبراهيم وحرّفوها عن أصلها الحقيقي . وبهذه الطريقة أكّد الرسول أصالة دينه ومصداقيته في مواجهة الديانتين الأخريين : اليهودية والمسيحية ، ومن هذه اللحظة استقل الإسلام عنهما ، واتخذ شعائر دينية متلازمة معهما . واعتبر أن إبراهيم هو مؤسس الكعبة ، وحافظ على شعائر الحج الأولى باستثناء ما كان متعارضا وبعض مبادئه الجديدة ، ووجّه الصلاة إلى الكعبة باعتبارها قبلة المسلمين بدلا من بيت المقدس ، وجعل من الحج فريضة أساسية لا غنى عنها للمسلمين لمن له القدرة عليها وهي الفريضة التي أسسها إبراهيم بعد بنائه الكعبة بمساعدة ابنه إسماعيل « 1 » . أما المستشرق الألماني « بيكر » فإنه يرى استناد قاعدة النبوة المحمدية إلى ظاهرة « الكهانة » المعروفة لدى العرب الجاهليين . فالرسول عبارة عن كاهن عربى ممتزج بالمثالية المسيحية ، وهذه الرابطة دفعته إلى النبوة بشعور كونه رسول اللّه « 2 » . وقد حدث ذلك بشعور ديني قوي وصادق ، ولولا ذلك ما تخلى عن حياته المادية المستقرة والمريحة وهو في الأربعين من عمره ، وهو يرى في أنبياء اليهود السابقين مرآة ذاتية له ، وقد تقمصهم في تجاربه الدينية مفترضا أن يكون للنبي نجاح ظاهر ، ومن هنا كان الوحي الذي هو كلمة اللّه ينزل إليه بالنبوة ، ويخاطبه مباشرة « 3 » . أما محتوى الوحي الذي يتلقاه فهو إنذار بيوم الحساب ، وتصوير للحياة الأخرى Eschatologiques ، وضرورة الإيمان باللّه ووحدانيته قبل فوات الأوان . ولكن بيكر يرى أن الوحدانية لا تأتي في المقام الأول من الرسالة المحمدية ولكن الذي يسبقها هو يوم الحساب الذي سيقع يوما ما على العالم كالصاعقة ، وفي هذا التحليل يتفق « بيكر » مع « جولدزيهر » كما أسلفنا بيانه . ويصر « بيكر » بدوره على أهمية « الهجرة » التي يراها قد سطرت اتجاها جديدا للرسول . ويرى أن الميتافيزيقية تأخرت إلى المرتبة الثانية تاركة المقام الأول للصراع على السلطة السياسية ، كما أصبح الدين المبشّر به في مكة مرتبطا في المدينة بالدولة .

--> ( 1 ) HURGRONJE , Islam , op . cit , p . 672 , in WAARDENBURG , op . cit , p . 38 . ( 2 ) HURGRONJE , V G , T . I . P . 32 ; in WAARDENBURG , op . cit , p . 39 . ( 3 ) Ibid , op . cit , p . 35 .