ساسي سالم الحاج
152
نقد الخطاب الاستشراقي
الافتراضات المتعسفة التي لا يؤيدها دليل جدّي وعلمي واحد . ولعلّ السبب القائل « بتفادي الانشقاق بين الجماعة الإسلامية » يستحق شيئا من التحليل . فالمستشرق « وات » ويؤيده في ذلك « رودنسون » يريان حدوث خلاف في الرأي بين المسلمين ، وخاصة مع أبي بكر الذي كانت له مكانة قوية عند الرسول . ومن هنا فإن الرسول قد أوعز لمخالفي أبي بكر بالهجرة إلى الحبشة تفاديا لمخاطر الانشقاق التي قد تنجم عن هذا الاختلاف . ولكن الأدلة التي يسوقانها للتدليل على صحة هذا الافتراض ليست قوية ، فبعض هؤلاء المهاجرين كعثمان بن عفّان وطلحة كانوا من أصحاب أبي بكر وأصدقائه . وأن سبب غيبتهم الطويلة في الحبشة عائدة إلى انشغال الرسول ببناء أمته الجديدة وحالما انتهى منها استدعاهم إلى العودة خاصة إذا علمنا أن الكثير منهم قد عاد بعد قضية « الآيات الشيطانية » إن صحّ وقوعها . ثم إن « وات » لم يقدم الأدلّة العلمية التي تبرهن على وجود انشقاق خطير بين المسلمين الأوائل حتى يخشى منه الرسول الفتنة على قومه ، فيوعز للمعارضين بالهجرة إلى الحبشة . ثم إن الحوادث التاريخية تدلّنا على أن الخليفة أبا بكر قد استعان بكثير ممن أسلم بعد فتح مكة وبأولادهم أيضا وهم من المعروفين بمواقفهم العدائية تجاهه ، وبالتالي فإنه لا يمكن الاعتداد بتلك الحجج الواهية القائلة بأنه لم يستعن بمعارضيه ممن هاجر إلى الحبشة ، وهو لا يزال مسلما عاديّا ثم أهملهم ولم ينظر إليهم عندما أصبح خليفة المسلمين . وهكذا فإن السبب الدافع إلى الهجرة إلى الحبشة هو ذلك الاضطهاد الشديد الذي لاقاه المسلمون في مكة وهو الذي دفع الرسول إلى النصح لهم بالهجرة إلى أرض النجاشي خوفا من الفتنة وفرارا بدينهم . ولعلّ أكبر دليل على تهافت السبب الدافع إلى الهجرة من أنه اتقاء للفتنة التي كادت تقع بين جماعة أبي بكر وعمر من جهة وجماعة عثمان بن مظعون من جهة أخرى ، أن « الصدّيق » نفسه حين ضاقت عليه مكة وأصابه فيها الأذى ، استأذن رسول اللّه في الهجرة فأذن له ، فخرج مهاجرا ، حتى إذا سار من مكة يوما أو يومين ، لقيه « ابن الدّغنّة » أخو بني الحارث بن عبد مناف بن كنانة ، وهو يومئذ سيد الأحابيش ، وعندما علم بسبب هجرته طلب منه العودة ووضعه في جواره فعاد معه أبو بكر إلى مكة وبقي في جواره « 1 » إلى أن ردّه عليه في قصة لا مجال لذكرها هنا .
--> ( 1 ) أ - ابن هشام ، سيرة ابن هشام ، المرجع السابق ، ص 372 - 373 . ب - البلاذري ، أنساب الأشراف ، ج 1 ، ص 205 - 206 .