ساسي سالم الحاج

141

نقد الخطاب الاستشراقي

السبب ضعيفا هو الآخر ، ويبحث عن سبب آخر ربما يكمن في أن يكون جزءا من مخطط بارع وضعه محمد آملا في مساعدة حربية تأتي إليه من الأحباش كما أمل جده في الاستفادة من مساعدة على يد أبرهة . ويرى « وات » قبول هذا الاحتمال بصورة عامة خاصة بعد اندلاع الصراع العسكري بين بيزنطة وفارس ، ووقوف مكة على الحياد ، ورغبة الأحباش في إضعاف تجارة مكة مع الفرس ، ولكن هذا السبب بالرغم من إغرائه ووجاهته فإنه لا يفسر سر بقاء المسلمين طويلا في الحبشة ، وأخيرا يقدم « وات » سببا خامسا يراه مقنعا لتفسير هجرة المسلمين الأوائل إلى الحبشة وهو تفادي الرسول للانقسام القوي في الرأي الذي اندلع داخل الأمة الإسلامية الناشئة والقضاء عليه في مهده . ويفسر « وات » هذا السبب بوجود بعض المسلمين من ذوي المكانة والنفوذ والرأي ك « عثمان بن مظعون » الذي كان زعيم هذه الفئة المهاجرة ، والذي حرّم الخمر على نفسه في الجاهلية ، والذي حاول إدخال نزعة دينية في الإسلام لم يوافقه عليها محمد . وبالتالي فإنه يعتبر زعيما لجماعة من المسلمين المنافسين للجماعة التي كان يقودها أبو بكر . والدليل على ذلك أن الخليفة عمر - حسب قول ابن سعد - ظل بعد وفاة محمد وأبي بكر لا يحترم عثمان لأنه مات على سريره وهذه الملاحظة - كما يقول وات - من بقايا العداوة بين ابن مظعون وجماعة أبي بكر وعمر . ثم يضرب « وات » مثلا آخر على وجود الفرقة والشقاق بين الجماعة الإسلامية الأولى وهي هجرة خالد بن سعيد ( من عبد شمس ) إلى الحبشة ، وعدم رجوعه قبل فتح خيبر ، ويبدو أنه أظهر بعض العداوة لأبي بكر بعد وفاة محمد ، وهذا دليل على أن هناك فئة كانت تعارض أبا بكر . ويصل « وات » أخيرا إلى خاتمة مفادها أن الخلاف بين الجماعة الإسلامية الأولى لم يبلغ درجة عالية من الحدّة ، وأن للأسباب الأخرى أثرا في الهجرة أيضا . ولكن من المؤكد أن المهاجرين إلى الحبشة كانوا رجالا تملؤهم معتقدات دينية صحيحة . وكان بعض منهم أمثال عثمان بن مظعون وعبيد اللّه بن جحش قد آمنوا بهذه المعتقدات قبل ظهور محمد كنبي . ولا يمكن لأمثال هؤلاء الرجال أن يرضوا بسياسة أبي بكر القائمة على أنه قد عيّن ليكون خليفة محمد . وهذه السياسة من الممكن أن تكون قد فرضتها الإرادة الملحّة لجعل محمد زعيما سياسيّا ودينيّا ، وذلك بسبب الأهمية الاجتماعية والدينية لرسالته . ومهما كانت سياسة أبي بكر فإن محمدا قد أقرّها بدون شك .