ساسي سالم الحاج
13
نقد الخطاب الاستشراقي
ويصف جولدزيهر مراحل الدعوة الإسلامية الأولى من خلال تصرفات النبي وأفعاله وأقواله وخطورة المهمة التي نذر نفسه لإنجازها بأنه - أي الرسول - قد بشّر بمذهبه للمرة الأولى بحماس لم يفتر ولم تعوزه المثابرة ، وبعقيدة ثابتة بأن هذا المذهب يحقق مصلحة الجماعة الخاصة ، وقد كان في ذلك كله مظهرا لإنكار الذات برغم سخرية الجمهور به « 1 » . ويرى جولدزيهر أن الرسول خلال النصف الأول من حياته اضطرته مشاغله إلى الاتصال بأوساط استقى منها أفكارا أخذ يجترها في قرارة نفسه ، وهو منطو في تأملاته أثناء عزلته . ولميل إدراكه وشعوره للتأملات المجردة والتي يلمح فيها أثر حالته المرضية نراه ينساق ضد العقلية الدينية والأخلاقية لقومه الأقربين والأبعدين ، ورأى أن مكة ، بالرغم من احتلالها لمركز من المراكز الهامة الخطيرة لعبادة الأوثان والأصنام ، تتحكم في حياتها المادة ، وكبرياء الجاهلية ، وسيطرة الأغنياء على الفقراء ، فأخذ يشكو من هذه التصرفات حتى تملكه - بعد الخلوة والتأمل في الجبال المحيطة بمكة - شعور بأن اللّه يدعوه ليذهب إلى قومه منذرا إياهم بما يؤدي بهم ضلالهم من الخسران المبين « 2 » . ويعطي جولدزيهر للهجرة أهمية رئيسة في نشر الدعوة الإسلامية ونجاحها على مرّ العصور . فهو يرى أن الرسول قد هاجر إلى يثرب مدفوعا بسخرية قومه . وقد وجد فيها أرضية صالحة لنشر دعوته ، وقد استمر في الشعور برسالته وبوجوب تأديتها ، ولكن تبشيره اتخذ - إلى جانب ذلك - اتجاها جديدا ، فلم يصبح حديثه حديث من استولت عليه الرؤى المشبعة بالدار الآخرة وما يكون فيها ، بل إن تلك الحالة جعلت منه أيضا مجاهدا وغازيا ، ورجل دولة ، ومنظم جماعة جديدة أصبحت تتسع وتنمو شيئا فشيئا . عندئذ اتخذ الإسلام - باعتباره نظاما - شكله النهائي ، وعندئذ ظهرت البذور الأولى لنظامه الاجتماعي والفقهي والسياسي « 3 » . ومن هنا يسبغ جولدزيهر هذه الأهمية البالغة على الهجرة لأنه يرى أن الإسلام
--> ( 1 ) جولدزيهر ، العقيدة والشريعة في الإسلام ، ترجمة محمد يوسف موسى وآخرين ، دار الرائد العربي ، بيروت ، بدون تاريخ ، ص 6 . ( 2 ) المرجع السابق ، ص 7 . ( 3 ) المرجع السابق ، ص 7 .